232 عدد المشاهدات visibility
comment1 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ١٦ أبريل، ٢٠١٩

الفساد الإداري في سوريا وسبل معالجته

المحامي علي الحمادي 

        

  مقدمة

ظهر الفساد الإداري مع ظهور أولى التشكيلات الإدارية في الحضارات القديمة ؛ فقد وجدت بعض الكتابات والقوانين التي تعاقب على الفساد في الحضارة السومرية، وهي أقدم حضارات العراق ،حيث وجدت في قوانين (أوروك وارنمو)في الألواح السومرية بعض القوانين والقرارات الصادرة عن المحكمة الملكية لقضايا متعلقة بالفساد، وكذلك نصت شريعة حمورابي على عقاب جريمة الرشوة  في المادة السادسة منها، حيث وضع حمورابي عقوبات قاسية للرشوة وجرائم الفساد الإداري الأخرى.وفي مصر القديمة ظهر الفساد الإداري والمالي تزامنا مع التنظيمات الإدارية التي ظهرت، وبشكل خاص في مجال تنظيم الري والزراعة ،وغير ذلك من الشؤون العامة للدولة . وفي الصين القديمة دعت الكونفوشيوسية لمحاربة الفساد ووضع عقوبات رادعة لها.

كذلك في اليونان القديمة تحدث الفلاسفة أفلاطون وسقراط عن الفساد الإداري والسياسي، وبالأخص السياسي حيث تحدث أرسطو عن الحكم، ووجوب أن يكون مقيدا بالدستور حتى ولو كان الحاكم إنسانا صالحا أو حتى فيلسوفا.

وبشكل عام فقد ظهر مفهوم الفساد الإداري في العصور الحديثة، بعد قيام الثورة الفرنسية والأفكار الجديدة التي نظمت الإدارة العامة المنبثقة عن الدولة الحديثة التي يسودها مبدأ فصل السلطات ،الذي تحدث عنه المفكر مونتيسكيو ، ومع تضخم إدارات الدولة ، وازدياد أعداد الموظفين أصبحت مشكلة الفساد الإداري أكثر تعقيدا، وبرزت كمشكلة ضاغطة على الحكومات للحد من أثارها السلبية على المجتمع، و الاقتصاد، والدولة ككل.

  مفهوم الفساد الإداري:

الفساد لغة هو عكس الصلاح، ويأتي بمعنى العطب، والخراب، وكذلك بمعنى الإعوجاج والانحراف، وهو ضد  الاستقامة،وأستطيع أن أعرف الفساد الإداري بشكل مبسط بالقول : هو الانحراف بالسلطة الممنوحة للموظف العام عن المصلحة العامة ،واستغلالها ،لتحصيل منفعة شخصية غير مشروعة، وقد تكون المنفعة مادية ؛كالرشوة ،أو معنوية ؛ كالمحسوبية (توظيف الأقارب والمحسوبين على الموظف) ،أو كلاهما ؛مادية ومعنوية .   

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن مفهوم الفساد الإداري لايقتصر على الموظفين العمومييّن ،وإنّما يشمل أيضا موظفي القطاع الخاص ،وجميع أنواع الفساد كالفساد في المجال الاقتصادي ،والاجتماعي ،والديني، وغيره من المجالات، إلا أنّنا سنقتصر في دراستنا هذه على الفساد الذي يصدر عن الموظف العام ،استئناسا بتعريف منظمة الشفافية الدولية التي عرفت الفساد بأنه : كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مكاسب شخصية . وعليه فإن المقصود بالفساد الإداري هو الفساد المنتشر في القطاع العام .

  أسباب الفساد الإداري :

لعل من أهم أسباب تفشي الفساد الإداري في الدول النامية ،والعربية ،وبشكل خاص في سوريا ،هو ضعف المحاسبة المسلكية ،والقانونية القضائية، فنادر ما يحوّل موظف مرتشي إلى القضاء، بل والأكثر ندرة أن يحاسب أحدهم على المحسوبية ، ذلك أن النظام السياسي ،الذي يتبع له النظام الإداري ،هو بالأصل غير خاضع للمحاسبة ولا حتى النقد ،أضف إلى ذلك الكثير من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التيأدّت في بعض الأحيان إلى جعل الفساد ثقافة منتشرة ،بل ومتفشية في معظم الإدارات وحتى في بعض الأوساط الاجتماعية البيروقراطية ،التي تعد أبنائها على أساس الالتحاق بالوظيفة العامة -وفي ذهنهم الفساد والمحسوبية -وليس الراتب المستحق الذي يمثل الأجر المتعارف عليه في كل دول العالم.

وفي هذه العجالة ،سأذكر أهم أسباب الفساد الإداري في سوريا ،من وجهة نظري ،وهي :

1 – الاستبداد السياسي ونظام حكم الفرد الواحد ،المستند إلى الطائفية السياسية ،والدينية ،حيث تحيط بهذا الفرد الحاكم مجموعة من الاشخاص المتحكمين بكل مقدرات البلد ،من دون رقيب ولا حسيب ،ذلك أن الأنظمة الدكتاتورية الفردية ،تقوم على إغراء كبار السياسين ورجال الدولة ،بالامتيازات والمكاسب غير المشروعة مقابل الإخلاص للفرد الحاكم ،ولا يقتصر الأمر هنا على هؤلاء ،وإنما أيضا أقرباء ذلك  الفرد الحاكم لهم نفس امتيازات كبار رجال الدولة والحكومة -إن لم نقل إنّ امتيازات   أولئك الاشخاص تفوق امتيازات وصلاحيات حتى رئيس الحكومة (رئيس الوزراء)- حيث يوجد شخص متنفذ ومعروف من العائلة الحاكمة ، سيطرته ،ونفوذه ،وصلاحياته المتعلقة باقتصاد ومالية العائلة الحاكمة ،هي أكبر بكثير وأكثر أهمية عند النظام السياسي من اقتصاد ومالية ومستقبل الدولة .فالمواطن والموظف هنا لهم حقوق ،ولكنها تأتي بالدرجة الثانية بعد مصلحة القائد، الفرد والعائلة والمتنفذين ،وعندما تتعارض مصالح ذلك المواطن مع مصلحة رأس الدولة ،يتجرد هذا المواطن حتى من الحقوق التي تأتي في الدرجة الثانية ،وعلى العموم فإن الفساد يجد المرتع المناسب له في الانظمة الاستبدادية ؛ ذلك أن رأس السلطة وكبار المسؤولين هم أنفسهم فاسدين ،وغير خاضعين للمحاسبة من الشعب أو البرلمان ،الذي هو عبارة عن موظفين موجودين لإعطاء ديكور لا أكثر ،إن لم نقل أنهم أيضا فاسدين مثلهم مثل المسؤولين عن السلطة التنفيذية ،مع تعطيل أي صلاحية للقضاء او السلطة القضائية ،فعندما ينظر الموظف الصغير إلى الموظف الكبير وقد اختلس ،وارتشى ،وسلم المناصب للأقارب والمعارف والأصدقاء ومن دون محاسبة ،لا بل تقوم وسائل الإعلام بتجميل صورتهم وامتداحهم؛ فإنه يسير على نفس خطهم في الفساد والرشوة ،مايؤدي بالجهاز الإداري للانتقال من جهاز مهمته تنظيم شؤون الإدارة للمواطن والمجتمع وتحفيز النمو والتقدم ،إلى جهاز طفيلي يستغل المواطن والمجتمع ويسحبه إلى التخلف والإنهيار .

2– انعدام المحاسبة والشفافية :

لعل هذا السبب هو نتيجة حتمية للسبب السابق؛ فالدولة التي لاتحاسب موظفيها الكبار كما في سوريا ،تعجز عن محاسبة الموظفين الصغار بصورة فعالة وحقيقية .وتكون حملات مكافحة الفساد عادة حملات انتقائية ،تمارسها السلطة السياسية بين الفينة والأخرى ،عندما يصل الفساد إلى حد لايطاق ،أو لتلميع تلك السلطة لا أكثر ،وإظهارها بمظهر الطهارة والعفة لتبرئة ساحتها من الفساد الذي فاق كل المعدلات العالمية ،خاصة وأن المنظمات الدولية تدرج سوريا - من قبل الحرب - في المراتب الأولى للفساد الإداري عالميا ،فطالما أن الموظف الفاسد لايعاقب مسلكيا على المخالفات ؛التي تستوجب عقوبات صادرة عن إدارته التي يتبع لها - وإن حدث وعوقب مسلكيا بعقوبات بسيطة- فإنه لايحوّل إلى القضاء ،وإن حوّل إلى القضاء فإن الأذرع الأخطبوطية للفساد المرتبط بها ،تقوم بالضغط على القضاء، لتخفيف عقابه أو تبرئته وإعادته إلى العمل !!مستغلة فساد القضاء أحيانا ،والمتنفذين في الدولة أحيانا كثيرة.أضف إلى ذلك ،أنه في بعض الأحيان ،يقوم المدراء الفاسدون بمعاقبة الموظفين المجتهدين والصالحين بعقوبات مسلكية قاسية ،بدلا من الموظفين الفاسدين لأن أولئك يشكلون خطرا عليهم، ويكشفون فسادهم، لا بل ويمكن تلفيق قضايا الفساد لهم ،وإحالتهم إلى القضاء بتهمة الفساد وهنا يصل الفساد الإداري إلى درجة لاتطاق ،ويكبل يد العناصر النظيفة في الإدارة ،بل ويشل الإبداع ويقتل روح العمل والإصلاح لدى تلك  العناصر   ويدفعها إلى اللامبالاة والسلبية ،وتصبح تلك  العناصر أمام خيارين : إما الصمت أو الاستقالة ،وأمام الخوف من فقدان الوظيفة- نتيجة لقلة فرص العمل- قد تتحول العناصر النظيفة إلى فاسدة.

وهنا ،لابد أن نشير إلى ضعف حرية التعبير - إن لم نقل انعدامها- في وسائل الإعلام العامة والخاصة وحتى لدى المواطن العادي، فيأمن الفساد ورجاله من أي نقد ،ويفقد المواطنون حقهم في معرفة الأخبار الحقيقية عن حجم الفساد الذي يؤثر عليهم بالدرجة الأولى، فلو أن الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة تمتلك الحرية في الحديث عن مواطن الفساد، وتستطيع كشف صفقات الفساد الكبرى، لأمكن تشكيل رأي عام ضاغط على السلطات للحد من الفساد، وإبقائه في الحدود الدنيا .

3 – أسباب اقتصادية :

إن الحالة الاقتصادية السائدة في أي بلد تحدد الكثير من سلوكيات الأفراد، وتوجهاتهم ،والموظفون في الإدارة العامة هم أبناء ذلك المجتمع ،يتأثرون سلبا أو ايجابا بالحالة الاقتصادية العامة، وإذا أسقطنا هذا العامل على الحالة في سوريا- حيث انخفاض متوسط دخل الفرد بشكل عام وانخفاض الرواتب والأجور الخاصة - وعلى موظفي القطاع العام بشكل خاص ،وعدم كفاية ذلك الراتب الذي يتقاضونه،وقصوره عن تأمين الحياة الكريمة، قد يدفع بعض عناصر الإدارة إلى ممارسة الفساد الإداري بشقيه المالي والتنظيمي ،وهنا تظهر الرشوة كأبرز مظاهر هذا الفساد ،ومختلف المنافع الشخصية الأخرى ،التي يمارسها الموظف الفاسد بغية زيادة دخله بطرق غير مشروعة ،ثم تتطور تلك الحالة إلى استمراء الرشوة والفساد، ويصبح ذلك الموظف الفاسد يبحث عن الثراء السريع؛ فمثلا : تجد موظفا صغيرا يملك عدة عقارات بعشرات الملايين، لو حسبنا مرتبه لمئتي عام لايمكن أن يساوي جزءا صغيرا من أملاكه.أذكر جيدا في فترة التسعينيات ،أن متوسط الراتب يتراوح بين 3000 إلى 5000 ليرة سورية مايعادل  70 إلى 100 دولار أمريكي فقط، ومع كل الزيادات التي طرأت على الرواتب والأجور حتى عام 2010م ،بقي المتوسط 200 إلى 300 دولار أمريكي زامن ذلك ارتفاع هائل في إيجارات العقارات- ناهيك عن أسعارها الخيالية- كذلك أسعار الوقود ،ومختلف السلع الأخرى، فتلك الزيادات -على ضعفها -كانت تصبح بحكم العدم أمام الارتفاع الجنوني للأسعار، وبعد الحرب حدّث ولاحرج ...حيث انهارت العملة الوطنية ،وأصبح متوسط راتب الموظفين المدنيين مابين ال 35000 إلى 45000 ل.س أي مايعادل أقل من 100 دولار أمريكي ،وهذا المبلغ عمليا بالكاد يكفي لدفع أجرة بيت بسيط في حلب أو دمشق ،فكيف سيستطيع هذا الموظف تأمين احتياجاته مع مجال واسع للفساد مفتوح أمامه!!

4-  أسباب اجتماعية :

مع شيوع الاستبداد السياسي ،وضعف المحاسبة ،والوضع الاقتصادي الضاغط على الجميع ،وتشكل طبقة من الموظفين الفاسدين الأثرياء ،ومع مرور الزمن أصبح الفساد والرشوة والمحسوبية ،ليس عيبا أو عمل مجرم أخلاقيا من المجتمع ،بل يتحول الأمر إلى ظاهرة عادية موجودة تقبل بها فئات واسعة من هذا المجتمع ؛ذلك أن نظرة المجتمع إلى أي ظاهرة ،هي التي تحدد إلى حد كبير إمكانية ممارستها من قبل الأفراد ؛فبدلا من النظر إلى أولئك الأشخاص الفاسدين على أنهم لصوص وطفيليات، تعيش على حساب هذا المجتمع واعتبارهم اشخاص منبوذين وغير أخلاقيين ، تصبح النظرة إليهم على أنهم أشخاص  مارسوا سلوكا طبيعيا شائعا وحصلوا ثروة كبيرة من دون محاسبة أو تقريع ،لا بل إن البعض ينظر إليهم نظرة ايجابية ويتمنى لو تتاح له الفرصة ويصبح موظفا فاسدا مثلهم ، وهنا نصل إلى فساد أخلاقي يسهل ويشجع الفساد الإداري والمالي ،حتى أنك تجد بعض الموظفين الفاسدين يستخدمون نفوذهم أو أموالهم لتوظيف أبنائهم أو أقاربهم ،ليس من أجل الراتب فقط، إنما من أجل الرشاوى والمحسوبيات ،ويشيع بيع المنصب الوظيفي كما تباع الأمتعة والسلع ؛فكل شاغر وظيفي له تسعيرة معينة تدفع من قبل طالب التوظيف من أجل الحصول عليها.ولابد من الإشارة إلى أن هذه النظرة موجودة في بعض قطاعات المجتمع ،وليس جميعها ،ولا نستطيع تحديد كم هي النسبة المئوية لهذه الفئة ،بسبب ضعف الدراسات الإجتماعية المعنية بهذه الظاهرة.         

5 – أسباب تنظيمية وقانونية :

ويقصد بها مواطن الضعف والخلل التي تعتري بعض القرارات التنظيميمة ،والقوانين التي تنظم عملالإدارة.وهذه الظاهرة تتساوى فيها سورية مع الكثير من دول العالم ،ذلك أن من يضع قاعدة تنظيميمة لها صفة القانون تنضوي على قاعدة ،عامة ،مجردة ،تستهدف أشخاصا غير محددين بذواتهم، وهنا تبرز مشكلةالروتين والبيروقراطية؛ حيث أننا نجد أن الدول النامية عموما ،تعاني من تضخم الروتين وتعقيد اجراءات المعاملات الإدارية، فصحيح أن الروتين ضروري ،لضبط أداء الموظف ومراقبته إلا أنه عندما يتجاوز الحدود المعقولة ،يتحول إلى عبء كبير على المواطن أو طالب الخدمة العامة ،وهنا يفتح مجال جديد للفساد ،حيث يقوم بعض الموظفين بأخذ رشاوى أو منافع أخرى ،مقابل تقصير الإجراءات وتسريعها ،لا بل إن بعضهم يعقد المعاملات من أجل الحصول على رشوة، حتى أن الأمر يصل ببعضهم إلى فرض أتاوات على طالبي الخدمة العامة.إن صياغة قوانين جيدة ،ووضع أطر تنظيمية مناسبة هو أمر ضروري ،للحد من ظاهرة استغلال الثغرات القانونية التي ييستغلها الفاسدون لتحصيل منافع غير مشروعة ،وماينجم عنه من الإضرار بطالبي الخدمة العامة ،سواءً كانوا  مواطنين أم أجانب؛ كما في حالات الاستثمار أو غيرها ،حيث يحصل على الخدمة العامة أو المركز القانوني من لا يستحقه ويحرم منه من يستحقه .

مظاهر الفساد الإداري :

يتجلى الفساد الإداري في عدة صور:

أ -  الرشوة : التي هي أخذ المال ،أو الحصول على منفعة ،من قبل الموظف العام لقاء تقديم خدمة غير مشروعة لدافع الرشوة، كإعطاء شخص الراشي مركز قانوني ،هو من حق شخص آخر، أو تأمين عقد ،أو رخصة......الخ.

كما يمكن أن تأخذ الرشوة ،شكل الأتاوة المفروضة ،من الموظف نفسه على طالبي الخدمة التي هي من حقهم أصلا ؛مثلا :تجد في بعض دوائر النفوس أو المواصلات أو السجل العقاري موظفين يتقاضون مبلغ معين ،وعلى العلن، مقابل إعطاء بيان ،أو القيام بإجراء روتيني يفترض أن الموظف يقوم به كواجب من واجبات عمله ،من دون أن يفرض أتاوات على الناس ، والغريب أن هكذا ظاهرة ،شاعت وانتشرت بشكل كبير من دون أن تحاول السلطات العليا محاربتها أو الحد منها ، ناهيك عن الرشاوى الضخمة ،التي تدفع في مجال الحصول على المناقصات والتعهدات العامة ،حيث تدفع المبالغ الكبيرة للموظفين الفاسدين ،مقابل إرساء  المناقصات على أصحاب العروض الأسوأ، وتُخفى العروض الجيدة أو يمنع أصحابها من التقديم، مع مايرافق ذلك من هدر هائل للمال العام ،ويؤثر على جودة الخدمات المقدمة للمواطن .ومن صور الرشاوى :شيوع شراء المناصب الوظيفية المهمة، أو التي تكون مصدرا للتعيش على الفساد ،وهنا يكون الفساد والرشوة داخلي ضمن المؤسسة أو الإدارة نفسها، حيث يدفع بعض الموظفين رشاوى لموظفين أعلى منهم ضمن السلك الوظيفي ،أو لأشخاص متنفذين في الدولة مقابل نقلهم أو ترقيتهم...الخ.وعلى العموم  ؛ تقدم الرشاوى على مستويات مختلفة ،تتراوح بين المعاملات البسيطة ،كما لو دفع شخص ما مبلغ صغير مقابل تقديم دوره على حساب أشخاص أخرين مثله ،ينتظرون الحصول على الخدمة ،وبين الصفقات الرئيسية بين الشركات والحكومات، حيث تتخذ الرشوة نطاقا كبيرا وأكثر خطورة على المصلحة العامة .

ب – سرقة المال العام :

حيث أن الفساد المالي متلازم مع الفساد الإداري ،ومتفرع عنه. وتتجلى سرقة المال العام غالبا بالاختلاس ،الذي يعرف بأنه:قيام موظف عام بسرقة أموال عامة مسلمة إليه على سبيل الأمانة .إذ يشترط هنا ،ركنان لهذه الجريمة ،و  هما : صفة الموظف الحكومي ،وصفة المال العام، حيث تغطى النفقات الحقيقية بفواتير وهمية ،أكبر من القيمة الحقيقية للنفقات ويختلس الموظف الفاسد المبلغ الذي هو الفرق بين النفقات الحقيقية والوهمية ، أو ربما يسرق الأموال بشكل مباشر ،ويفر خارج البلد...الخ.وكانت إحصائيات قضائية نشرت عام 2015م  قد كشفت أن دعاوى الاختلاس المنظورة أمام المحاكم الجنائية ،بلغت 500 دعوى ،منها  200 في دمشق وريفها ،و 100 في حلب ، طبعا هذا الرقم هو أقل بكثير من الرقم الحقيقي لواقعات الاختلاس ، إنما هو فقط لمن حوّلت جرائمهم إلى القضاء.إن سرقة المال العام تصيب الدولة بالوهن والعجز ،وتعطلهاعن تنفيذ سياساتها ؛ فبدلا من أن تتحول الأموال العامة إلى سلع وخدمات تقدم إلى مواطني تلك الدولة ،تذهب إلى جيوب الفاسدين ، الذين يتحولون إلى كائن طفيلي يعرقل عجلة تقدم الدولة والمجتمع .

ج – المحسوبية : 

هي نفسها المحاباة ،أو الواسطة ،أعرفها: بأنها إعطاء حق ،أو مركز قانوني ،أو خدمة عامة ،لشخص لايستحقها ،من الأقرباء أو الأصدقاء أو المعارف ،دون النظر إلى الكفاءة ، مايعني حرمان أشخاص آخرين، أكثر كفاءة من ذلك القريب.

ويرى بعض العلماء أن ميل الإنسان إلى الأقارب ،هو أمر غريزي ،يشترك فيه الإنسان مع بعض الحيوانات.وموضوع المحسوبية ،قديم قدم الوجود البشري ،وهومنتشر بشكل كبير في الدول غير الديمقراطية ،حيث تسيطر فئة من السياسيّين والمدراء الكبار على معظم التعيينات والمناصب ،كما هو الحال في لبنان مثلا ،حيث أن التقاسم الطائفي للوظائف العامة للدولة ،هو أمر مشروع عرفا ،مايسمح بوصول العناصر من غير ذوي الكفاءة إلى سدة الإدارة، وبالمجمل ؛يحظى أقارب النواب والسياسين ،بمعظم الامتيازات والمناصب الحكومية .أما في سوريا ،والتي انتهجت النظام الاشتراكي والحزب الواحد فالوضع أكثر سوءاً ، حيث تشكلت طبقة من الموظفين ،محدثي النعمة ،والذين قاموا بدورهم بتوظيف الأقارب والمحسوبين عليهم ،ذلك أن الوضع في النموذج الأول (لبنان) ،يسمح على الأقل بانتقاد هذه الظاهرة في الصحافة ووسائل الإعلام ،أما في سوريا فكل شيء يتم في وسط تعتيم إعلامي ،ومنع الصحافة من انتقاد حتى الموظفين الصغار.

بشكل عام تنتشر المحسوبيات في المجتمعات ،التي تسودها العشائرية والأسرية ،كما في بعض الدول العربية ،حيث يوجد نظام وظيفي مشابه للنظام الوظيفي اللبناني ،حيث تحل العشيرة مكان الطائفة الدينية.

الآثار الكارثية للفساد علىالاقتصاد والمجتمع السوري :

لعل الاقتصاد والمستوى المعيشي للمواطن ،هو الضحية الأولى للفساد ؛وخاصة ذلك الذي يحدث في الصفقات الكبرى ،والمتعلقة بحياة المواطن والدولة ،وماينتج عنه من آثار اجتماعية أخرى، كانتشار الجريمة والفقر ...الخ، ناهيك من أن البلاد التي لا تملك جهاز إداري نظيف ،يتمتع بالشفافية والمرونة تعتبر طاردة للاستثمار الأجنبي ،إن لم نقل تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج.

إن انعدام الشفافية ،وانتشار الفساد والرشوة وفرض الأتاوات على المستثمرين ،وإهدار المال العام ،هي من سمات الأنظمة التي تفتقر إلى الديمقراطية ،ومايتبع ذلك من انعدام المحاسبة والرقابة الإدارية والقضائية الفعالة ،كما هو الحال في سوريا والكثير من الدول العربية ، ذلك أن أي رجل أعمال أو شركة ،ترغب فيالاستثمار لابد لها من مشاركة شخصية متنفذة ،قريبة من دوائر الحكم، أو لابد لها من دفع رشاوى ضخمة ،أو امتيازات ،كي تحصل على عقد استثمار أو استيراد أو تصدير أو غيره ، أو حتى قيام أصحاب النفوذ باحتكار بعض المجالات الاقتصادية بشكل مباشر .

ولابد لتخطي هذه المشكلة ،من وضع قوانين واضحة ،وتعليمات تنفيذية سهلة ومرنة؛ ذلك أنه في كثير من الأحيان ،تصدر تعليمات تنفيذية معقدة من الوزارات المسؤولة عن تطبيق تلك القوانين ،مايجعل تطبيق القانون صعبا أو حتى مستحيلا ،وذلك بغاية إفراغه من مضمونه بقصد تسهيل تحكم ذوي النفوذ، وكذلك لابد من إيجاد أليات صحيحة تحقق التنمية الإدارية والاقتصادية للبلاد.

أين يكمن الخلل؟ في القوانين أم في التطبيق ؟

كثيرا مايغوص الباحثون في مجال الفساد الإداري والمالي في القوانين الناظمة للإدارة ،بغاية البحث عن الثغرات القانونية التي تسمح للموظف باستغلالها،  دون الانتباه إلى أن الخلل الأساسي في سوريا ،يكمن في عدم تطبيق الأليات القانونية بشكل صحيح، وحقيقي ؛فنحن لانفتقر إلى القوانين، وإنما نفتقر إلى القرار،السياسي ،الحقيقي، والجاد بمكافحة الفساد، لأن القوانين موجودة، لكن الأشخاص المكلفين بإنفاذ القانون ،هم أنفسهم لا يتجرؤون على أولئك الفاسدين، المتنفذين، لأنهم يخشون العزل من وظائفهم أو حتى تلفيق قضايا فساد ضدهم ،وإلقائهم في السجن بدلا من الفاسدين، أو أن الموظفين هم فاسدون مثلهم وهو الغالب والأرجح للأسف، فانتشار الفساد ،يصل أيضا إلى الأجهزة الرقابية الإدارية والمالية ،بل وحتى القضائية ، ناهيك عن وجوده في أعلى سلم القرار الإداري.

النقطة الأكثر أهمية في اعتقادي هي بتطبيق القانون؛ فلو افترضنا وجود قانون غير جيد مع إرادة حقيقية لدى أصحاب القرار الإداري والسياسي بمكافحة الفساد ،فإن الإدارة الجيدة والنزيهة والمرنة ستقوم بتلافي هذا النقص القانوني مع بداية التطبيق ،وستخاطب الجهات المسؤولة عن القانون لسد الثغرات الموجودة . 

أما لو حصل العكس ،وأتينا بأفضل القوانين الموجودة في أكثر الدول شفافية وديمقراطية ،ولم تكن الأجهزة الإدارية والسياسية تريد انفاذ تلك القوانين ،ومحاربة الفساد بشكل حقيقي فلن نحقق النتائج المرجوة، فوجود قانون ضعيف ،فيه بعض الثغرات ،يطبق بشكل جيد وفعال، هو أفضل بكثير من وجود قانون قوي وجيد لايطبق ،ويفرغ من مضمونه ،عن طريق الموظفين المكلفين بتطبيقه، وتجربة إصدار قوانين جيدة ،ثم الحاقها بتعليمات تنفيذية سيئة ،تعطل القانون، معروفة في سورية.

   الخاتمة :

كي نتمكن من مكافحة الفساد بشكل فعال ،ومجدي ،لابد من وجود قرار سياسي ،من أعلى المستويات بمحاربة الفساد ،ابتداءا من الفساد في المستويات الإدارية العليا ،وحتى أدنى موظف في السلم الوظيفي ، إضافة إلى الاستفادة من تجارب الدول النامية ،التي تشبهنا من حيث الظروف الاقتصادية والاجتماعية ،والتي حققت أشواطا متقدمة في هذا المجال.

أعتقد أن أفضل الوسائل والخطوات في مكافحة الفساد الإداري في سوريا تتلخص في مايلي :

1 – تفعيل مبدأ المحاسبة،وتطبيقه على جميع المستويات الوظيفية ،وإصدار التشريعات اللازمة، واتخاذ كافة الإجراءات المناسبة، ابتداءً بالمحاسبة الداخلية ضمن الوزارة الواحدة ،ووصولاً الى الوزراء ،الذين يكونون مسؤولين بدورهم ،أمام السلطة التشريعية ،التي تتولى الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.

2 - تفعيل دور القضاء، وإحالة الفاسدين إلى المحاكم ،وليس الاكتفاء بالعقوبات الإدارية ،كالفصل مثلا ،بعد 

أن يكون الموظف الفاسد ،قد اختلس وارتشى بالملايين ،من دون أن يحاسب ،أو تسترد منه الأموال المسروقة.

3 – تفعيل دور الصحافة وتمكينها ،وهذا لايتم إلا إذا تحولت البلاد إلى الديمقراطية ،مايجعل الجميع تحت ضوء المحاسبة الشعبية والرأي العام.

4 – إعطاء الموظفين رواتب تؤمن لهم حياة كريمة، تتناسب مع متطلبات المعيشة ،وتحصنهم من الضعف والولوغ في الفساد.

5 -  اختيار العناصر ممن يتّصفون بالكفاءة والنزاهة ،لأن العناصر الفاسدة ،في مراكز القيادة، لا يمكن أن تنشر إلا الفساد ،وخرق القوانين ،ولو كانت تلك القوانين ممتازة.

6 – نشر الوعي في المجتمع بخصوص مكافحة الفساد، وإحاطة جميع المواطنين بحقوقهم، وواجباتهم ،وحضهم على التبليغ عن أي حالة فساد، أو رشوى ،أو ابتزاز،تعرضوا لها.



المراجع و المصادر :

-  د. نعيم الظاهر : كتاب إدارة الفساد – دراسة مقارنة في الإدارة النظيفة– 26/11/2012

- حمود جمال الدين : الجذور التاريخية لظاهرة الفساد الإداري – موقع كتابات 15/12/2016

- عبد الرحمن تيشوري : الفساد الإداري صور وتحليلات ، أسباب وحلول- الحوار المتمدن 7/2/2006

- قحطان محمد الهيتي : الفساد المالي والإداري وأسبابه

- د. عبد القادر الشيخلي : التدابير القضائية لمكافحة الفساد – الرياض 8/10/2003


                                              


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (1)
Sort by : Date | Likes

بارك الله بك  وجزاك خيرا استاذ علي على هذه المقالة المفيدة والرائعة