1581 عدد المشاهدات visibility
comment2 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ٢٠ مارس، ٢٠١٩

هل بوسعنا الخروج من تجاوزات الماضي ؟ 

بين النظرية والواقع ومن العدالة الانتقالية في صيغتها الضعيفة إلى العدالة التنظيمية.

لجويل هوبريشت

ولو تشابهت أوجه هؤلاء اللاجئين الترحة، الذين لا تعد صفوفهم ولا تحصى، وتلك الصور للجثث المرمية على الأنقاض وعلى ضفاف الطرق، يبقى العنف الذي تترتب عليه ذو أشكال مختلفة، وتبقى صفات الحرب وطبيعتها في تغير مستمر. إن أعظم الحروب التي اندلعت في وقتنا الراهن هي حروب أهلية تفضي أحيانا إلى الانفصال أو إلى إنشاء دول جديدة، حسب بيار هاسبر في مقالة تحت عنوان "التجاوزات والنزاعات والحروب : انتهاء أم تحول؟ " [1]، في الفترة ما بين 2001 و2010 نزاعان فقط من 29 نزاع مسلح كانا من نوع حروب ما بين الدول و10 منها حروب أهلية مصدرة للخارج، أما معظمها فكانت نزاعات داخلية. والأمر المدهش هو الإثبات أن في وقتنا الراهن، مهما اختلفت دوافعها، سياسية أو عرقية أو دينية، ومهما كانت الفترة، ما بعد النزاع وحتى في قيد النزاع، مثل ما في سوريا [2]، مسألة العدالة الانتقالية تطرح دائما.

من البديهي أن هذا المفهوم واسع للغاية بل وغامض إلى درجة أنه يشمل مجموعة واسعة من الحالات والحلول. وفي هذا الصدد, يبقى التعريف الذي جاء به الأمين العام للأمم المتحدة هو التعريف المرجعي لمفهوم العدالة الانتقالية، وهي " كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركته من تجاوزات الماضي الواسع النطاق, بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة ". وعلى أساس ذلك تغطي العدالة الانتقالية كل من العناصر التالية:

- المتابعات الجنائية ( أمام المحاكم الوطنية والمحاكم المختلطة والمحاكم الدولية ).

- لجان الحقيقية واللجان الأخرى للتحقيق .

- التعويضات لصالح الضحايا ( بكل أشكالها, سواء كانت مالية أو رمزية أو فردية أو جماعية )

- الإصلاحات المؤسسية ( إجراءات التحقيق وغيرها )

- برامج حفظ الذاكرة

ولقد بلغ ما نشير إليه اليوم بالعدالة الانتقالية ما يفوق 30 عاما من التطبيق العملي (باعتبار المراحل الانتقالية في أمريكا اللاتينية ولجنة الحقيقة البوليفية في عام 1982 والأرجنتينية في عام 1983) وعقدين كاملين منالتنظير الجامعي ( منذ أشغال برسيليا هاينز ورودي تايتل ) وتقريبا ما يعادل نفس المدة الزمنية من التنمية التدريجية للمؤسسات، خاصة على مستوى الأمم المتحدة من صدور تقرير لويس جواني الشهير في عام 1995 (والذي يحدد الأركان الأساسية الأربعة) إلى صدور تقرير 2011 حول "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات قيد الصراع ومجتمعات ما بعدالصراع "، ومن تأسيس لجنة بناء السلام في عام 2005 إلى تعيين ممثل خاص للمسألة في عام 2010 (بابلو دي غرايف).

وعلى أساس ذلك ،بإمكاننا التحدث عن تقدم عظيم بل عن "ثورة" مست مجال العدالة، و ذلك بالانتباه إلى أن هذه الآليات قد أرست جذورها في المجال القضائي وخارجه بصفة أعم. إذ كانت لجان الحقيقة و المصالحة في البداية عبارة عن حل بديل لملاحقات قضائية أمست مستحيلة. يجب الانتباه إلى الطابع السياسي لهذه الآليات، أي بمعنى المؤسساتي أولا ثم بمعنى كل العناصر الأساسية التي تلزمها لإعادة تنظيم المجتمع بأكمله، بما فيه القيم و الهوية. و هذا ما دفع بنا، أنا و السيد غارابون، في تقرير لمعهد الدراسات العليا حول العدالة (IHEJ) لحساب وزارة الشؤون الخارجية، إلى اختيار مصطلح " العدالة التنظيمية " [3]. لأنه يشمل مفهوم إمكانية " إعادة صياغة العدالة من جديد " على مدى طويل، و ليس فقط كوسيلة انتقالية وقابلة للزوال في الفترة ما بعد النزاع. (وهذا بالرغم من أن بعض أشكال الأعمال الجماعية مؤقتة). فما هي الإمكانيات النظرية والعملية لهذه العدالة لمواجهة عنف الماضي وشبح عودته من جديد ؟ و ما هي الأهداف والعراقيل ؟

  1. مقاربة جديدة على مستوى النظري :  

من دون التطرق إلى مختلف المذاهب المعروفة، يكفينا القول أن العدالة الانتقالية استنبطت عدة مقاربات نظرية. طالما اقتصرت العدالة الانتقالية على الآليات الانتقالية المتقدمة على إعادة بناء مؤسسات البلد أو على آلية لجان الحقيقة، وأيضا على ما يدعى " بعدالة إعادة التعمير"(Restorative justice)، وذلك بتعزيز عدالة معيدة للإدماج، بالتسامح، من جهة وعدالة انتقالية و عقابية من جهة أخرى. و لم يتم تأسيس هذه الأخيرة لاستكمال العدالة الجنائية بل لمعارضتها هيكليا. ما أدى راهنا إلى تعارض مؤيدي الشمولية و مناصري المقاربات الحصرية حول ما إذا كان من الملزم إدراج بعض القضايا في هذا المجال، لاسيما القضايا المتعلقة بالتطور أو بعملية نزع السلاح و تسريح المتقاتلين و دمجهم في المجتمع (أي البرامج المتعلقة بعملية تجريد المقاتلين السابقين من السلاح). وضمن تقريرنا حول العدالة التي وصفناها ب " تنظيمية " سلطنا الضوء بشكل نمطي على صيغة ضعيفة و صيغة قوية للعدالة في مرحلة الانتقال، و ذلك بالاعتبار أن النوع الثاني وحده هو الذي يسمح بالتصدي لأسباب العنف الجماعي، لأنه عنف ذو طبيعة سياسية أولا و قبل كل شيء,أي بمعنى أنه لا يقتصر على أفراد تائهة شأنها اختراق القانون والتي يكفي محاكمتها و سجنها للتخلص منها, أو على أنفس مريضة يجب استقصاء لاوعيها لمعالجتها و إعادة صهرها في المجتمع .فأمامنا ظاهرة أكثر تعقيدا, ليست مجرد انقطاع بسيط و مؤقت للقانون, بل هي عبارة عن إتلاف حقيقي له، إثر حركية جماعية فتاكة تحفزها قدوة مشتركة و دفاع مشترك.

وعلى أساس ذلك، يمكننا القول أن تنسيق مختلف آليات العدالة الانتقالية هو الحل المناسب للتغلب على هذا العنف الجماعي السياسي المعقد التركيب، لأنها بوسعها التطرق لمختلف جوانبه من جهة، وهذا ما سنتناوله في قسمنا الأول، ولأنها ستحقق ذلك بشكل ديمقراطي ومفتوح سيفضي إلى إنماء علاقة جديدة بين السياسة والقانون من جهة أخرى، وهذا ما سنعالجه في قسمنا الثاني.

  • التطرق إلى مختلف جوانب العنف :

لقد أفرزت عملية محاكمة أهم المسؤولين الكبار على الجرائم الجماعية تقدما كبيرا خلال النصف الثاني للقرن العشرين وذلك بالتزود بقانون جديد حول أكبر الجرائم الدولية (جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية). إذ تأسست محاكم دولية، في نورمبيرغ أولا، ثم المحكمة الجنائية الدولية ليوقوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا خلال التسعينات وبعدها المحاكم المختلطة في سيراليون وكامبوديا وغيرها. وتعتبر هذه المحاكم أو الغرف المختلطة في معظم الأحيان مخرجا ضروريا للتصدي للفوضى العارمة في المؤسسات اثر النزاع وما يترتب عنه من ضياع مصداقية رجال قانون النظام السابق ومحاكمه.

وقد تم تكريس هذه العدالة بالأخص بعد تأسيس محكمة دائمة، هي المحكمة الجنائية الدولية، وقد شاهدنا طوال الفترة ما بين الهيكل الأول لهذه العدالة، في نورمبيرغ، ودخول اتفاقية روما والمحكمة الجنائية الدولية حيز التطبيق، في عام 2002، نموا مستمرا لذاتية عملية قضائية قد قامت الولايات المتحدة في البداية بتحفيزها وتخصيبها بطبيعة إجراءاتها، والتي أصبحت اليوم لا تتحكم فيها ولا تثق، إضافة إلى التوقف عن كونها الفاعل الرئيسي فيها.

ومع مبدأ التكاملية الذي يمنح لدول المحكمة الجنائية الدولية الأعضاء الأولوية القضائية لمحاكمة المشتبهين بهم، طالما كانت لها الإرادة والقدرة الكافية للقيام بذلك، علما أن هذا المبدأ يخص المسؤولين الكبار فقط، أصبحت المحكمة الجنائية الدولية محورا أساسيا في مجال الرصد العدلي والمقاربة التعاونية التي جعلتها في القضاء الفرانكفوني، حسب الدليل العملي للمنظمة الدولية للفرانكوفونية، " شريكا لابد منه في عمليات إعادة بناء السلام والعدالة خلال مرحلة الانتقال كما تعد فقرة ضرورية في سلسلة إعادة التعمير، بشرط أن ترفع الدعاوى أمامها في حقبة متزامنة مع نشاط لجان الحقيقة أو ما يقابلها من مؤسسات، وهكذا تصبح المحكمة الجنائية الدولية إحدى الحلول الممكنة لتقصي الحقائق وجبر الضرر، وتمديد انجازات لجان الحقيقة وهيئات التحريات عن طريق إثبات الأحداث واللجوء إلى معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان ". ( المنظمة الدولية للفرانكوفونية، الدليل العملي 2014. صفحة 13) [4].

ولا تزال هذه التكاملية حديثة نوعا ما، لأن آليات المحاكمة الجنائية كانت في البداية وخاصة خلال التسعينات تعارض منطق لجان الحقيقة، إذا كانت تعتبر كحل ضمني، على غرار ما حصل في أمريكا اللاتينية، وكخيار ايجابي مثلما في إفريقيا الجنوبية .

حيث تولد آنذاك خطاب حول سياسة التسامح التي أتت بها لجان الحقيقة كخيار بديل وكتقدم بالمقارنة مع مختلف سياسات العقاب الموجودة والتي تجسدت في اللجوء إلى المحاكم الدولية. وقد تم تنظير هذا الخطاب تحت تسمية " عدالة إعادة التعمير " (restorative justice) [5]. أما في الوقت الراهن ، فمختلف برامج العدالة الانتقالية قائمة على كلتا المقاربتين عامة، ففي تونس مثلا، صدر بشأن العدالة الانتقالية في ديسمبر/ كانون الأول 2013 القانون العضوي الذي بموجبه تأسست " هيئة الحقيقة والكرامة " وغرف خاصة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان، بينما أوصت الهيئة البرازيلية للحقيقة في تقريرها الصادر في ديسمبر/ كانون الأول 2014، حول الجرائم المرتكبة عن يد الديكتاتورية العسكرية، بإلغاء قانون العفو الصادر في 1979 واستهلال الجلسات. ولكن هذا لا يدل على التخلي التام على نموذج "عدالة إعادة التعمير ". فالسلطات البوروندية مثلا أسرت بشدة على أهمية بعد التسامح من خلال دعمها لفكرة إنشاء لجنة حقيقة وتهميش مشروع إنشاء المحكمة الخاصة الذي تناوله البرنامج المتولد عن اتفاقات آروشا للسلام، ولكن سرعان ما انقطعت هذه المواجهة المباشرة حول أيا من آليات العدالة كانت أفضل، لأن كل منها محدودة بمعنى أن المحاكم تتمتع بقدرة كافية لمتابعة سوى عدد محدود من المسؤولين، أما اللجان فلا تستطيع أن توفي مطالب كل الضحايا بشأن معاقبة كل الجرائم المرتكبة، عندما تكون هذه الأخيرة قد صنفت كجرائم دولية أكثر خطورة لكونها غير قابلة للعفو وغير قابلة للتقادم بموجب القانون الدولي. فلم تستطع لجان الحقيقة في البرازيل والتشيلي والأرجنتين على منع الدعاوى، بل وطالبت في بعض الأحيان خلال تقاريرها بتنظيمها. ولا يعود الإلحاح على هذه التكاملية القائمة بين العدالة الجنائية والدولية والوطنية واللجان إلى قصورها فقط، بل إلى خصوصيات كل منها كذلك. و على أساس ذلك يعد جمعها مع بعض فائدة لأن الدعوى الجنائية بطبيعة الحال تهتم بالمسؤوليات الفردية بينما تستطيع لجان الحقيقة خلال خصصها وتقاريرها النهائية إلقاء الضوء على المسؤوليات الجماعية وتحديدها لتعزيز الاستبصار حول المجتمع بأكمله، وذلك لأن العوامل التي تدفع الشخص إلى التعذيب والقتل لا تحدث بسبب خلل على المستوى الفردي فقط، بل، وكما يشير إليه رافائيل برانش، هي تترتب عن "جمع بين خلفيات فردية وبعض الآليات الجماعية " وبالتالي قد يترتب عن تهميش هذا التحليل للوعي الجماعي أو غض النظر عنه نقضا أو على الأقل اختصارا شديدا لما قد تأتي به الدعاوى من استنتاجات وبذلك فغياب المقاربة السياسية حول تجاوزات الماضي واستتارها خلف مقاربة تتعلق بالجريمة فقط قد يؤدي بشكل وهمي إلى الاعتقاد أن الضرر قابل للزوال بعد استبعاد بعض الأشخاص.

وعلى خلاف ذلك، تشير مقاربة جوهرية إلى أن استبطان الضرر السياسي ممكن بالرغم من استمرار وجود شبح عنف الماضي، بتأسيس آليات حفظ الذاكرة تسمح بإبراز وتوطيد العلاقة بين النشاط القضائي ونشاط اللجان وتخليدها .

والمراقبة العامة هذه، على خلاف بعض النظريات الشمولية للعدالة الانتقالية، لا تتخلص من التوترات التي قد تحدث بين مختلف البرامج، كما لا تشمل وجوب القيام بكل شيء وفي وقت واحد، باعتبار أن موالاة العمليات أمر ضروري. وبالتالي كيف يمكن تجنب وقوع الإصلاحات قبل الوقت المناسب، مثل ما حدث في تونس حيث شرع فيها قبل صدور قرار اللجنة المخصصة ، ولا بعد الأوان، أي بعد برامج مساعدة دمج الجنود المنزوعة السلاح أو عفوها ؟ وكيف يمكن التعامل مع التوترات وإدراج آليات العدالة الانتقالية في سلسلة "التأمين وإعادة التعمير والتنمية" ؟ يجب إذا تحقيق استمرارية بين العمليات العاجلة والمدى القصير والمدى الطويل، ووضع تعليم لمختلف المراحل على السلسلة الزمنية. ويجب على هذه الموالاة أن تكون فاعلا أساسيا في إحداث التغيرات بدلا من أن تقتصر على اقتفاء أثرها، باعتبارها ليست انقساما. إذ ستسمح لعملية العدالة الانتقالية بالترسيخ على المدى الطويل مهما كان السياق، باعتبار انه لا يوجد نموذج كامل وتام للموالاة، لأنها تتعلق بطبيعة الأزمة (ما أن كانت حرب أهلية أو دولية أو نظام استبدادي أو غيرهم) وبطبيعة الحل المناسب لهذه الأزمة (انتقال متفق عليه أو غير متفق عليه، بتدخل المجتمع الدولي أو بدونه، وغير ذلك) كما تتعلق كذلك بالوسائل المستعملة والتي هي محدودة في معظم الأحيان، وبالشعوب العديدة وغير موحدة عادة، وبثقافتها بما في ذلك ثقافتها القانونية إن كانت تتبع مناهج القانون المدني أو القانون المشترك أو المناهج المنسوبة للتطبيقات التقليدية. وحتى ولو لم يتفق بعد على موالاة تتطرق لمختلف جوانب العنف، يمكننا استخراج مبادئ عامة حول المنهج الذي يجب إتباعه، بمعنى المنهج المناسب للتطرق إلى تجاوزات الماضي بشكل ديمقراطي.

  • والتطرق إليها بشكل ديمقراطي:

إن العدالة الانتقالية جزء من برنامج سياسي يرمي إلى إرساء الديمقراطية، وكما يشير إليها جان بيير ماسياس، "أولا هي وضع العملية الفردية لعقاب مرتكبي الجرائم خلال فترة الديكتاتورية والعنف في سياق عملية جماعية للتحول المؤسساتي والعملي" [6].

فالهدف إذا هو تحقيق علاقة جديدة بين السياسة والقانون، ما يعتبر في آخير المطاف حلا مناسبا لمواجهة تشوه القانون المترتب عن جريمة الإبادة الجماعية. وهذا ليس بمنفذ نتوصل إليه في المرحلة الأخيرة للعملية، كأنما المصالحة المخلصة خط وصول نتعداه، بل هي النتيجة المتولدة عن كل العملية طوال فترة تنفيذها. وبشأن ذلك قمنا في قرارنا حول العدالة التنظيمية بالإلحاح على العملية نفسها أكثر من الأهداف البعيدة المدى والعامة التي عادة ما قامت من قبل بتحديد أطر هذه العدالة، وقد تلاحَظ الحركة التحويلية والتقدمية التي تحدثها العدالة الانتقالية خلال العملية وبعدها، أو في العملية أكثر من نتيجتها الواقعية (عدد الدعاوى وعدد الشهادات المقصاة لدى اللجان ومقدار التعويضات الممنوحة وغيرها) وفي هذه الحالة، لا يكمل معنى العدالة الانتقالية إلا إذا شملت بشكل فعال المجتمع المدني ومنحت دورا مركزيا وتشاركيا للضحايا واستندت إلى استشارات وطنية وإذا تجنبت في نفس الوقت الاقتصار على بناء سلطة مضادة وشاركت في إعادة بناء السلطة والمؤسسات. وتقوم السلطة السياسية الجديدة بالمشاركة في تنظيم فضاء لن تستحوذه وبدعم عملية تتسم بما يلي :

  • التشاركية، وهي ماهية الآليات التي تشمل لجان الحقيقة 
  • الوجاهية، وهي أساس الإجراءات الجنائية المنصفة
  • الإجرائية، أن تكون ذات تأثير حقيقي وخاصة عن طريق جبر الضرر وتنفيذ الإصلاحات المؤسسية

وتتأسس عمليات العدالة الانتقالية من الأحسن من خلال استشارة الشعوب، بحضور كل من الجمعيات وعملاء المجتمع المدني من جهة والممثلين المؤسسين من جهة أخرى. بالعلم أن استلزام حضور المؤسسات أمر ضروري بحيث لا محل لعملية حقيقية بدون إرادة سياسية واقعية.

وتفضي طبيعة المؤسسات وإطارها الرمزي والإجراءات المتبعة وحلقات الإدلاء بالشهود وتقصي الحقائق التي تمثلها الجلسات العلنية للجان الحقيقة إلى إرساء الممنوعات الأخلاقية التي تعد ضرورية من أجل استمرار الإنسانية والبشرية (بضبط عدوانيتها وجبروتها الكمين) وإلى إلجام عنف كل من الأفراد ( كسر سلسلة الانتقام) والمجتمعات (التضحية في سبيل الغير) وإلى التذكير بأهمية التصرفات غير الكلامية والرمزية، لاسيما التي قامت بتحويل العنف المنتهك والمعدي والتعسفي إلى عنف "نقى"وشرعي ومراقب وعادل ومحدود. وذلك لا يشمل معنى أن عنف الدولة "عنف راشد" عكس "العنف الجاهل" الذي ينبع من المجتمع. بالعكس فهي واعية أيضا أن عنف الدولة قد يمثل عنفا خطيرا على المجتمع، والدليل على ذلك هو اعترافها العلني بالضحايا وإدانتها الجنائية أو الرمزية للمسؤولين واحترامها لفصل السلطات. وبذلك تكون قد أَنزلت الدولة من عرشها وأعادت تأهيلها من جديد، بينما تكون العلة السياسية قد استبطنت من دون اجتيازها، وهكذا سيرافق الشفاء الفردي للضحايا بعد الإبادة الجماعية إعادة بناء المؤسسات .

هذا ما يتعلق بالنظرية. فما الأمر في الواقع ؟

أما على المستوى التطبيقي فالعوائق والتحديات عديدة :

يتضح في الواقع أن التطبيق العملي لآليات العدالة أمر حساس ومؤسف للغاية، وهذا يعود بطبيعة الحال إلى أسباب معنوية تحدد من مدى المشاريع وعددها. على غرار المحكمة الخاصة التي تحاكم حبري في السنغال والتي شهدت مشاكل مالية (على مستوى الاتصال) ولذا هناك خلال فترة إعادة البناء خيارات تتعلق بالأولويات، كالإنعاش الاقتصادي مثل ما كان الحال في ساحل العاج، والتسوية بين المتحاربين السابقين مثل ما في لبنان.

ويوجد خطرين مستمرين في معظم الحالات:

  • انتشار التكنوقراطية وانعدام البعد السياسي في العملية
  • واستعمال العملية كأداة والإسراف في تسييسها
  • خطر فقدان العملية لبعدها السياسي 

يشهد تراكم الخبرات والمأسسة الأممية وتعدد الدراسات حول الموضوع مع مراكز خبراء (كالمركز الدولي للعدالة الانتقالية في نيويورك) ومجلاته الخاصة (كالمجلة الدولية للعدالة الانتقالية لجامعة اوكسفورد) عن نجاح العدالة الانتقالية وتعميمها، أمر يفرحنا نحن بالدرجة الأولى، وبالرغم من ذلك، يوجد خطري صعوبة ناتجين عن هذا النجاح الخاطف :

  • الرغبة في إنشاء نظرية عامة تقوم بتجميد العدالة الانتقالية حسب نموذج معين، كردة فعل لتعدد الإشكاليات المفرط. ويمكن الخطر هنا في خلق "معرفة أكاديمية " قد تليها منديات مشوقة لكن تؤدي إلى استبدال الواقع الإنساني والسياسي والمؤسسي بالأفكار والمفاهيم.
  • وبالإضافة إلى خطر"التنظير" هناك استمالة أخرى : "صندوق المتعدد الطرائق"، أي بمعنى مقاربة تتسم بأقل مفهومية و أكثر واقعية وتكنوقراطية، ولكن خارجة عن السياق ومنزوعة الجانب السياسي، أي لا تأخذ بعين الاعتبار دراسات الرهان السياسية وإشكالها، أي مقاربة تنتج مشاريع رائعة حول "الحكم الراشد" تكون ذات أهداف واضحة وذات كمية محددة، من النوع الذي يوافي التأشيرات المفروضة من قبل الممولين الكبار والذي يستعمل الألفاظ المناسبة والمفاهيم العصرية، وليتجلى في الأخير كاسد لأنه إما لا علاقة له بالواقع، إما مفروض من طرف جهة خارجية.

وبطبيعة الحال، فرادة بعض الحالات لا يلغي صحة المبادئ الشاملة أو الأكثر عمومية لأنه يوجد دائما دروسا قد نستنتجها من تجارب الآخرين. وبالطبيعة الحال، توجد "ممارسات جيدة" لا بد من نشرها كالمرافقة النفسية للضحايا قبل الجلسات وبعدها وإنشاء مكتب دفاع في كل محكمة جنائية دولية خاصة، وذلك بالانتباه إلى عدم اللجوء إلى مفهوم "حل المشكلة "، لأن العدالة الانتقالية ليست ب "علوم" ولا ب"صندوق متعدد الطرائق".

  • خطر الإسراف في تسييس العملية 

كما قمنا بتفسيره، إن عمليات العدالة الانتقالية جزء لا يتجزأ من السياسة. ومن ثم، القضاة في المحاكم والمفوضين في لجان الحقيقة والمسؤولين عن الأنصاب التذكارية وغيرهم من الذين يمثلون هذه العمليات بالرغم أنهم ليسوا سياسيين هم مستلزمين في بلورة هذه العمليات وقيادتها. ودورهم هذا في نمو مستمر إلى درجة أن دول عديدة قامت بتزويد نفسها ولو مؤقتا بوزارة مسؤولة عن العدالة الانتقالية، مثل تونس ومصر حيث تتمتع وزارة العدالة بصلاحيات وتلعب دورا رئيسا. وكما يشير إلى ذلك فابريس هوركبي "قد يتضح أن هذه القيادة ضرورة في حين أنها تعزز التناسق والتنفيذ الجيد للعمليات، ولكنها قد تصبح مضرة إذا أدت إلى استحواذ العملية ووضعها تحت الوصاية" [7].

لنرجع إلى الحالتين اللتين ذكرتهما، ففي تونس، أصبحت العدالة الانتقالية "وسيلة في يد السياسة، تستغلها الاتجاهات المختلفة والأحزاب لخدمة مصالحها الخاصة " [8]. على غرار الحزب الإسلامي النهضة الذي من اجل إعطاء شرعية لكفاحه، قام بإعلان اعترافه بالتاريخ المؤيد لسيرة شهدائهم التي تمتد طوال فترة الكفاح ضد بورقيبة ثم بن علي إلى غاية النهضة وتنقطع في الفترة ما بعد الثورة. وحاول وضع مؤيديه في المناصب الرئيسية للإدارة من خلال برنامج إصلاح وإعادة تأهيل عن طريق توظيف تفضيلي في القطاع العمومي لفائدة السجناء السياسيين السابقين. ما دفع بالعديد من الضحايا إلى توخي الحذر إزاء العملية وامتناعها عن المشاركة فيها. أما في مصر، أعلن السيسي خلال الحملة الانتخابية في عام 2014 عن طموح كبيرة بخصوص العدالة الانتقالية ليقوم في الأخير بتركيز كل الجهاز القضائي على الإخوان المسلمين من خلال دعاوى جماعية ترتب عنها إصدار أحكام جماعية بالإعدام، هدفها إبعاد كل أشكال المعارضة، لاسيما الجمعياتي وإنشاء نظام أكثر قمعا من النظام الذي رفضه الثوار. ومن ثم، نلاحظ في كلا الحالتين أن النزاعات لا تحصل بين المتحاربين السابقين أو بين أعضاء النظام السابق والذين أسقطوه فقط بل تحصل أيضا أحيانا وبنفس الحدة بين مؤيدي الانتقال.

وهذا التسييس أو الإسراف في التسييس للعدالة الانتقالية يؤدي بها إلى فقدان مصداقيتها وإتلافها بجلب خطر وجود عوائق ثلاثة، يحددها جان بيير ماسياس [9] فيما يلي :

  • عائق أحادية الجانب: باقتصار محاكمة الجرائم على فئة واحدة من الفاعلين.
  • عائق الإفلات من العقاب: بتأسيس آليات المحاكمة والحقيقة كخلفية فقط، أو بتحييدها لجعلها موجودة في الواقع سوى لصالح عملية العفو.
  • عائق العجز: بعدم تطبيق آليات المخصصة وعدم إعلان تقارير اللجان وعدم تنفيذ اقتراحات الإصلاح.

ومنه أمام هذين الخطرين الهائلين اللذان يتمثلان في فقدان الطابع السياسي أو في التسييس المفرط، نستنتج أن التحدي الذي تنصبه أمامنا هذه العدالة، التي نتجت عن تشاورات واتفاقات، هو إيجاد توازنات واتصالات، قد تتضح في أغلب الأحيان هشة وفي تغير مستمر، بين قطبين متنازعين لكن متلازمين الارتباط (كالسلام والعدالة، العقاب وإعادة الدمج، المبادئ العامة والحالات الخاصة، الوطني والدولي وغيرها). وعلى خلاف الخطاب الذي يحصر هذه العدالة في أنها عدالة فترة زمنية محددة تتمثل في مرحلة الانتقال ما بعد النزاع، نحن صاحبوا التقرير حول العدالة التنظيمية ترى، بالرغم من ذلك، أنها قبل كل شيء عدالة فترة تأسيس وإعادة تأسيس، بمعنى أنها ليست عدالة تسمح "بقلب الصفحة" حسب التعبير بل هي الصفحة الجديدة التي ستكتب عليها قصة جديدة . وحسب انتوان غارابون "تشير الفكرة الضعيفة للعدالة الانتقالية إلى التركيز على العدالة بدلا من السياسة من جهة، وإلى مرحلة الانتقال كحركة علما أن الترسيخ هو القضية " [10]. وليست صدفة لما لاحظت كورا اندريوا الباحثة الجامعية الفرنسية [11] في تونس ومالي، حيث قارنت النظرية مع الواقع، أن ثمة التباس حول مفهوم "العدالة الانتقالية"، واقترحت بدلا منه مصطلح "عدالة إعادة التأسيس" . إن فترة الخروج من الأزمة واستئناف الترميم تبدو هي الوقت الطبيعي لإعادة التأسيس التي نشير إليها. إلا أن وقت التأسيس هذا لا ينحصر في هذه الفترة فقط، لأنه ليس " السنة الصفر" ولا "ميثاق مواطنة" يتم عقده على "طاولة ممسوحة"، فهيئة الحقيقة الوطنية في البرازيل التي تسند بحوثها إلى فترة الديكتاتورية ما بين 1964 و1985 تم إنشاؤها في2011. والهيئة التي أعلنها رئيس اوروغواي في فبراير/ شباط 2015 فستطرق إلى ديكتاتورية ما بين 1973 – 1985 أي إلى أحداث مرت عليها أربعون سنة، وبالتالي فالعدالة الانتقالية إما تحصل في الوقت الراهن أو ترافق الحياة السياسية ولو لفترة طويلة بعد تلك الفترة المسماة ب "الانتقال".

الخلاصة

يمكننا أن نقول، إجابة على السؤال الذي طرحناه في البداية، إن المجتمعات بوسعها تجاوز ماضيها والعنف الذي اجتاحها، لكنها لا تستطيع التخلص منه بصفة كاملة ونهائيا. وفي المقابل يمكنها الاستعانة بشهود تجاوزات الماضي لبناء ميثاق مواطنة قائم على أسس جديدة، وذلك بلا حاجة لنسيانها أو تكرارها. وحسب التعريف الذي يعطيه بيار هانسر (الذي فتحنا معه التحليل ومعه نختمه) عن السياسة: "لا تكمن ماهية السياسة في التخلص من القوة بل في ترويضها لجعلها تخدم نفيها الذاتي" [12].


المراجع

[1] Hassner, La revanche des passions. Métamorphoses de la violence et crises du politique, Fayard, 2015, p.209.

[2] اطلع على أشغال الجمعية السورية "اليوم التالي" (« The Day After ») وعلى الجزء من تقريرهم حول العدالة الانتقالية (المتاحة على الموقع http://tda-sy.org)

[3] « La justice reconstitutive. Un objectif diplomatique pour prévenir et surmonter les crimes de masse » معهد الدراسات العليا للعدالة، تقرير 2013، المتاح على موقع انترنيت المعهد : www.ihej.org

[4] الدليل العلمي متاح على موقع انترنيت المنظمة الدولية للفرونكوفونية. وتم نشره في حولية العدالة الجنائية الدولية والانتقالية 2014 في عام 2015 تحت إشراف ج. ب. ماسيا و ك. فيليب و ب. بلاس من قبل المعهد الجامعي لفارينا في فرنسا (Collection Transition & Justice)

[5] الاطلاع على أشغال ه. زير و ج. جينفر وعلى مصنف ديسموند توتو : Il n’y a pas d’avenir sans pardon, Albin Michel, 2000.
[6] Jean Pierre Massias, « Politique, politisation et justice transitionnelle », Les cahiers de la justice, n°3/2015, p.346.
[7] Fabrice Hourquebie, « les processus de justice transitionnelle dans l’espace francophone : entre principes généraux et singularités », Les cahiers de la justice, n°3/2015, p.330.
[8] الاطلاع على تقرير « Participer, c’est avoir de l’espoir…participation des victimes au processus de justice transitionnelle en Tunisie »مقياس العدالة الانتقالية (university of York, Al-Kawakibi Center, Impunitywatch), octobre 2015, p.33-34. 

[9] J-P. Massias, « Politique, politisation… »تم ذكره أعلاه

[10] « La justice reconstitutive… » تم ذكره أعلاه الصفحة 19.

[11] Kora Andrieu, La justice transitionnelle. De l’Afrique du sud au Rwanda, coll. Folio-essais, Gallimard, 2012.

[12] بيير هاسنر في مقدمة « la politique. Les plus grands textes de Xénophon à Machiavel et Rawls » (anthologie du CNRS/Nouvel Obs)




ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (2)
Sort by : Date | Likes

تحياتي للجميع 
انا رح احكي بداية من العنوان "ورقة بحثية" بعد ما شفتها فعليا هي مو ورقة بحثية هي مقالة اكاديمية من حيث المبدأ يعني ...
الشغلة الاهم انذكر موضوع محاكمات نورنبيرغ كأساس المحاكم الدولية و فعليا هاد الشي كتير غلط لانو هي المحاكم عملتها الشرطة العسكرية الاميركية و تم تطبيق القانون العسكري الاميركي فيها و تقريبا ما حدا من المتهمين طلع منها و كتير عالم راحت فيها ظلم
اما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية فيما بعد الفشل فيها اكتر من النجاح و انو هي مستقلة كمان الامر فيها مشكوك اكتر و قصة الاخفاق بسبب قلة الدعم هي فضيحة اكبر و عندك مثال محكمة الحريري يلي ما ضل شي فيها غير اللعب على الزمن و النسيان
موضوع العدالة امر معقد كتير و ما بعتقد في حدا ممكن يرضى بالعدالة النظرية يلي ما بتقطع حدود الورق يلي انكتبت عليه
و بالنهاية ما لازم يكون ابدا في علاقة بين القانون و السياسة بأي شكل من الاشكال اذا كان هدفنا فعلا تحقيق العدالة...

شكرا لكم لمشاركتكم المقال. ولكن تم ذكر restorative justice وتُرجمت إلى عدالة إعادة التعمير.برأيي الأصح ان يقال العدالة التصالحية. لانها تقوم على مبدأ اصلاح العلاقة ما بين مرتكب الجنحة او الجرم، والضحية كما المجتمع ككل.القول انها عدالة اعادة التعمير فيه ابخاس كبير لاهمية وفعالية هذا المنهج.