1687 عدد المشاهدات visibility
comment0 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ٢٢ أغسطس، ٢٠١٨

المعايير الأساسية لحق المثول امام القضاء

 كنان دله


ملخص تنفيذي 

                   إنّ الحق في محاكمة عادلة لا يمكن أن ينفصل عن الحق في المثول أمام القضاء. هذا الحق قد يبدو بديهياً وطبيعياً، لكنه يتطلب عدداً من المعايير من أجل ضمان فعاليته. وتحديد هذه المعايير يتطلب الرجوع إلى النصوص الدولية وإلى الاجتهاد القضائي الدولي، وكيفية الامتثال لها على المستوى الوطني، حيث تُعد هذه المعايير أحد أهم الضوابط الأساسية للوصول إلى محاكمة عادلة في دولة القانون. لذلك يجب النظر في مدى تطبيقها واحترامها في الوضع القانوني والقضائي السوري، كأولوية لبناء دولة القانون فيها بعد الأزمة. 

المقدمة 

تُعد المحاكمة العادلة[1] حق أساسي من حقوق الإنسان[2]، ولذلك فإن المجتمع الدولي وضع عدة معايير لضمان هذا الحق بشكل أساسي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[3] وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[4]ولأهمية الحق في محاكمة عادلة، كرست العديد من الدول هذا الحق في نصوص دستورية أو قانونية أخرى بشكل واضح، وتفصيلي. وفي هذا الصدد نجد أن الدستور السوري لعام ٢٠١٢ قد اكتفى بالنص على الحق بالمحاكمة العادلة بشكل مقتضب[5]، ويكشف التطبيق الفعلي، سواء من خلال الآليات المحددة في قوانين الإجراءات أو الإثبات أو من خلال امتثال القضاء لها كما هي محددة دولياً[6]، أنه لا يعدو النص على الحق بمحاكمة عادلة سوى مجرد حبر على ورق[7]

ولذلك إذا أردنا أن نضمن حق الإنسان في محاكمة عادلة في النظام القانوني لأي دولة، ومنها سورية[8]، لابد من أن نضمن حقه في المثول أمام قاضيه الطبيعي (الحق في الوصول إلى محكمة)، وضمان أيضاً فيأن يكون هذا القاضي جيداً (الحق في المثول أمام قاض جيد). 

الحق في الوصول إلى محكمة

إن الحق في المثول أمام القضاء لا قيمة له إلا بعد ضمان الوصول أو الدخول السهل إلى محكمة في المقام الأول. والوصول إلى محكمة لا يعني فقط الحق في رفع دعوى[9]، فالوصول إلى محكمة هو الذي يُعطي الحق الدستوري في اللجوء، باعتباره المرجع الأساسي للفصل في أي نزاع، بعده العملي. فحق كل شخص في الوصول إلى محكمة يعني أولاً وقبل كل شيء الحق في الولوج أو الوصول المادي (جغرافياً وإجرائياً) إلى القضاء. لن يتمكن الشخص من التمتع بالحق في أن يسمع ويبت في طلباته أمام قاضيه الطبيعي، دون هذا الولوج السهل. قد يبدو هذا الحق بسيطاً وبديهياً، لكن يتطلب تحديد مضمونه بدقة، والمعايير الضامنة لفاعليته، لجعله واقعاً وليس مجرد إعلان له في النصوص.

قبل كل شيء لا بد من التأكيد بأن الحق في الوصول إلى محكمة هو أحد الركائز الأساسية لدولة القانون، بل هو الذي يعطي بقية الركائز قيمتها. فلا قيمة لأحكام الدستور والقوانين بذاتها مهما احتوت وأكدت على حقوق وحريات وضمانات لها، مالم تتم حمايته من قبل القضاء بشكل فعلي. ولذلك فإن الحق في الوصول إلى محكمة هو حق يُمنح (بل هو حق طبيعي) دستورياً ليتمتع به أي شخص، طبيعي أم اعتباري، مواطن أم أجنبي على حد سواء. ويتمثل بالحق في التوجه إلى محكمة[10] مُشكلة بالقانون[11] من أجل الفصل في نزاع. وهنا لا بد من التأكيد على أن إتاحة الحق في الوصول إلى محكمة هو وحده الذي يمنع الأشخاص من اللجوء إلى استيفاء الحق بالذات سواء عن طريق العنف أو عن طريق وسائل أخرى (الفساد أحد أوجهها الأساسية، قبل الوصول إلى انهيار مؤسسات الدولة وسيادة الفوضى)

لا شك بأنه تم التأكيد على هذا الحق، سواء في المسائل المدنية أو الجزائية، في الاتفاقيات الدولية بشكل صريح[12]، لكن لم يعط هذا الحق الصفة المطلقة[13] بتحديد مضمونه بشكل دقيق، مما يعني أن الدول تمتلك هامشاً من الحرية في وضع ضوابط ومعايير لممارسته وفق قدراتها. ولكن يشترط ألا تتحول هذه الضوابط والمعايير إلى قيود تؤثر على جوهر هذا الحق وتفرغه من محتواه. فالهدف من وراء هذه الضوابط والمعايير يجب أن يكون متناسب ومتناسق مع الهدف في الوصول إلى القضاء لنيل محاكمة عادلة[14]. فيمكن للدول أن تقيد الحق في الوصول إلى محكمة بضوابط لحماية المصلحة العامة من ناحية أو لتأمين حسن إقامة العدالة من ناحية أخرى، أي لضمان استقرار الأوضاع القانونية وكفاءة ممارسة العدالة. فعلى سبيل المثال: يمكن تقييد إمكانية ممارسة هذا الحق بضوابط وإجراءات تتعلق بمدد التقادم، أو بفرض سن قانوني للتقاضي، أو بضرورة وجود مصلحة في التقاضي، أو في ضرورة احترام تسلسل هرمي في الجسم القضائي، أو فرض عقوبات على اللجوء التعسفي الى القضاء، أو بعض الحصانات والامتيازات القضائية، كما هو الوضع بالنسبة لحالة نواب البرلمان... الخ، لكن يجب ألا تشكل مانعاً للحق في الوصول إلى محكمة، فالحصانات الممنوحة للنواب –على سبيل المثال- ليست حصانة مانعة لمقاضاتهم، وإنما هي مجرد حصانة إجرائية تتعلق بضرورة إتباع بعض الإجراءات للتمكن من مقاضاتهم.

إنّ الحق في الوصول إلى محكمة لا يجب أن يبقى حق مجرد، بل يجب وضع ضمانات كي يتحول إلى حق ملموس وفعال. بمعنى آخر لا يكفي أن يكرس هذا الحق بشكل نصي أو رسمي ولكن يجب تأمين وضمان معايير لتنفيذه على أرض الواقعفالوصول الفعلي يفترض بالدولة أن تقوم بداية بكفالة تذليل الصعوبات المادية أو الإجرائية لممارسة هذا الحق، وصولاً إلى ضمان تنفيذ الأحكام القضائية، خصوصاً الصادرة ضدها.

إن الصعوبات المادية، يمكن تلخيصها في العوائق الجغرافية والعوائق المالية التي تحول بين الأشخاص وحقهم في الوصول إلى محكمة. فبشكل مبدأي يجب ضمان الوصول السهل جغرافياً إلى محكمة، أي أن يكون الجسم القضائي للدولة يضمن وجود محاكم متوزعة على مختلف بقاع البلد، هذا لا يعني ان يكون في كل منطقة أو بلدة صغيرة محكمة ولكن يجب أن يكون سكان هذه المناطق قادرين على التنقل والوصول الى محكمة قريبة دون صعوبات وتكاليف بالغة. فالبعد الجغرافي للقضاء، وما يتبعه من تكاليف تنقل، هو من أهم الأسباب التي تدفع الأشخاص لعدم اللجوء إلى القضاء لحماية حقوقهم أو الدفاع عن حرياتهم. ويتوجب أيضاً ضمان المساعدة المالية للأشخاص الذين بحاجة لها من أجل رفع دعوى، فهذه المساعدة تضمن أيضا بشكل فرعي حق المساواة بين المتنازعين[15]. ففي الوضع القانوني السوري المحكمة مجانية من حيث المبدأ، حيث الرسوم القضائية ليست مرتفعة، ولكن العودة الى مساعدي المحكمة، المحامين على سبيل المثال، يستوجب تكاليف اضافية. لهذا من أجل ضمان الحق في الوصل الفعال إلى محكمة وضمان المساواة بين المتنازعين يجب وضع آليات للمساعدة القضائية، وفي هذا الصدد يمكن للدول تكييف المساعدة المالية بحسب مواردها. فالمساعدة القضائية لا تقتصر على الإعفاء من الرسوم القضائية وإنما يمكن أن تؤمن من خلال تقديم المشورة التقنية للمتقاضين. وبشكل عام، لتذليل الصعوبات المادية يجب على الدول ضمان توافر الموارد البشرية والمالية الكافية لأن يقوم النظام القضائي بوظيفته، الدعم القانوني للمتقاضين، على نحو فعال في مختلف أرجاء البلاد، وهذا من خلال آليات ابتكارية ضمن الموارد المتوفرة أو الممكنة. 

أما بشأن الصعوبات القضائية، يجب على الدول ضمان استمرارية التكوين القانوني للقضاة وأعضاء النيابة العامة وغيرهم من الموظفين القضائيين، ووضع الضمانات الكافية لحسن اختيارهم ومساءلتهم تجنباً لأي فساد أو تمييز في العدالة[16]. وهذا يتطلب أيضاً أن تقوم الدول بتنظيم جسمها القضائي بما يضمن لكل شخص الحق في الحصول على حكم نهائي خلال مدة زمنية معقولة. فحسب القاعدة المعروفة في جميع النظم القانونية: "العدالة المتأخرة كإنكار العدالة"[17]. مما يعني أنه يتوجب أن تفصل الهيئات القضائية في النزاعات، حسب طبيعتها خلال مدة معقولة[18]، مع مراعاة كافة الضمانات ولا سيما مبدأ التقاضي على درجتين. ويجب التنويه أيضاً بأن الحق في الوصول الى محكمة يشمل الحق في الوصول إلى حكم والحق في تنفيذ هذا الحكم ضمن مدة زمنية معقولة[19]. فالدولة باعتبارها تحتكر وحدها مشروعية استخدام أدوات القهر القانونية والمادية، يتطلب منها وضع نظام يضمن التنفيذ الفعلي للأحكام القضائية الصادرة. وفي هذا الصدد يمكن الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في آليات وتقنيات ضمان تنفيذ الأحكام القضائية، لاسيما عندما تكون هذه الأحكام صادرة في مواجهة الدولة أو إحدى جهاتها. 

الحق في قاض جيد

إن الضمانات والمعايير للحق في الوصول إلى محكمة يجب أن تتبع، بل أن تستكمل، بضمانات ومعايير الحق في قاض جيد لتأمين جودة العدالة. وبهذا الصدد فإن المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تضع مبدأين أساسيين لضمان الحق في قاض جيد: الحيدة أو الحياد والاستقلالية[20]هذين المبدأين، القريبين من بعضهما، من السهل الخلط بينهما، لذلك يجب التعمق في مفهومهما بشكل موسع

استقلالية القاضي ركن جوهري لعدالة المحكمة وشرط مسبق لحكم القانون[21]فيجب أن يتمتع كل قاض بالاستقلال التام، وعدم الضغط عليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ليتمكن من الفصل بعدالة في النزاعات المطروحة أمامه. ولذلك يمكن القول أن مبدأ استقلالية القضاة يعني بكل بساطة ألا يكون القاضي عرضةً لأي ضغوطات يمكن أن تمارس عليه من أي من طرفي النزاع أو من أي سلطة عامة[22]وهذا يتطلب بأن يتمتع القاضي بالاستقلال منذ تعيينه مروراً بنظره للنزاع المعروض أمامه وحتى لحظة البت به واتخاذه القرار

لذلك يرتبط مبدأ استقلالية القضاة بالإجراءات المتبعة في تعيين القضاة ومؤهلاتهم، فضلاً عن ضمانات كفالة أمنهم واستقرارهم الوظيفي حتى انتهاء (بل حتى بعد) عملهم القضائي. حيث ينبغي أن تكون الهيئة المسؤولة عن تعيين القضاة وترقيتهم وتأديبهم مستقلة بشكل كاف عن السلطة التنفيذية، سواء في تكوينها أو في طريقة عملها[23]، أو على الأقل بعيدة عن الاعتبارات السياسية.وبهذا دستورياً يشكل مبدأ الفصل بين السلطات أحد ضمانات تكريس استقلالية القضاء عن التجاذبات السياسية التي يمكن أن تمارسها السلطتين التشريعية أو التنفيذية.

ففي دولة القانون يتمثل الأثر المباشر لاحترام حق التقاضي في ظل استقلال السلطة القضائية هو أن لا يُحال -ولو بتشريع- بين شخص وحقه في مقاضاة سلطة من السلطات العامة بشأن تصرف أو قرار لحقه منه ضرر[24] (عدم إمكانية تحصين أي قرار لسلطة عامة). كذلك يتمثل في عدم قدرة أي سلطة عامة أن تتدخل في عمل القضاة بما يسمح لها بتهديد أمانهم الشخصي والوظيفي[25]

وإذا كان يُنظر لمبدأ الفصل بين السلطات كأحد ضمانات تكريس استقلال القضاء، فإن هذا الاستقلال يجب أن يضمن ببعديه العضوي والوظيفي. فالاستقلال العضوي إن كان بديهياً من خلال عدم إمكانية الجمع بين وظيفة القاضي وأي وظيفة أخرى، فأنه يعني عدم إمكانية قيام القاضي أو مباشرته لأي عمل يدخل في صلب عمل السلطتين التشريعية أو التنفيذية قبل استقالته من العمل القضائي (خلاف ما يحدث في سورية: قضاة أعضاء في مجلس الشعب، قضاة أعضاء في حزب البعث، قضاة في وفد المفاوضات السياسية...)، فإنه يجب أن يضمن من خلال آلية تعيينهم وعزلهم وتأديبهم كما أشرنا إليه أعلاه. أما الاستقلال الوظيفي فيقصد به عدم السماح للسلطتين التشريعية والتنفيذية في التدخل أو التأثير أو توجيه قرار القاضي في اتجاه خلاف قناعته التي يفرضها عليه القانون وضميره[26]. وقد تتجلى من خلال قيام السلطة التشريعية باستسهال استخدام تقنية "التصديق التشريعي" كحل لصعوبة أو استحالة تنفيذ الأحكام القضائية[27]، أو قيام السلطة التنفيذية كذلك باللجوء إلى العفو الخاص دون ضوابط محددة، ناهيك عن التأثير الذي يمكن أن تمارسه السلطة التنفيذية من خلال توجيه وسائل الإعلام المرتبطة بها للتأثير على القضاة أو من خلال الادعاء بالاعتبارات الأمنية. وهنا لا بد من التنويه إلى أن مبدأ عدم وجود صلة بين القاضي وسلطة أخرى ليس مبدأ مطلق. حيث أنه قد يوجد علاقة قانونية بين القاضي وإحدى السلطات العامة (مثال: السلطة التنفيذية هي التي تقوم بإجراء التحقيق...). ولكن هذه العلاقة القانونية يجب ان تبقى علاقة تؤكد استقلالية القاضي، حيث هذه السلطات تعمل بأمر وإشراف القضاء وتكون نتائج عملها تحت سلطة وتقدير القاضي[28].وإذا كان ضمان هذا الفصل العضوي والوظيفي لضمان استقلالية القاضي ضروري ابتداءً، فإنه غير كاف إن لم يترافق بضمانات نزاهة القضاء المرتبطة بمبدأ حياد القاضي عن أطراف النزاع، من خلال وضع الآليات والإجراءات التي تسمح برد أو تنحي القضاة، كما سنوضحه لاحقاً.

إضافة لذلك يجب ضمان ما يسمى باستقلال القاضي داخلياً، أي احترام مبدأ القاضي الطبيعي. هذا المبدأ يعني أن الدعوى القضائية لا يمكن أن توضع تحت سلطة قاض غير القاض الذي يجب أن يكلف بها[29]. فهذا المبدأ يضمن أن يتم إسناد النزاعات داخل الجسم القضائي ضمن الإطار القانوني المنصوص عليه، حسب طبيعتها ونوعيتها. بمعنى آخر يجب عدم السماح دستورياً، ولو بنص قانون، إسناد نزاعات يجب أن تخضع لولاية القضاء العادي إلى قضاء استثنائي أو خاص، تحت اعتبارات مختلفة[30]، وهذه الممارسة نجدها في سورية من خلال قيام المشرع في الظروف العادية وغير العادية بإسناد الفصل في نزاعات عادية (قضايا التموين مثلاً) إلى القضاء العسكري، أو محاكم الأمن الاقتصادي أو محكمة الإرهاب. وبهذا الصدد يضمن مبدأ القاضي الطبيعي أيضاً المساواة أمام القانون، حيث أن تطبيقه الفعلي يؤدي إلى وضع جميع المتقاضين تحت نفس القواعد الإجرائية والموضوعية[31]، فكما نعلم أنه عادة ما تكون الإجراءات والضمانات أمام القضاء الخاص أو الاستثنائي منقوصة، بحيث يمكن ألا يحصل المتقاضين على العدالة المفترضة. 

من ناحية أخرى، لا بد من الإشارة إلى أنه من الأهمية بمكان، في مجتمع ينشد دولة القانون، أن تُشعر الهيئات القضائية المتقاضين بالثقة[32]ولهذا يجب أن تتحلى المحكمة بالحياد. ويتطلب واجب الحياد، الذي يمثل ركناً أساسياً من الممارسة السليمة للمهام القضائية، أن يكون جميع المساهمين في اتخاذ القرار في النزاع، سواء أكانوا من القضاة الرسميين أو الموظفين القائمين بمساعدة أعمال القضاة أو المحلفين، غير متحيزين، وأن يُرى أو يظهر أنهم غير متحيزين[33]وشرط الحياد يوجب على القضاة التحلي بسمتين أو ببعدين من الحياد: الحياد الذاتي والحياد الموضوعي

الحياد الذاتي: يوجب على القاضي أن يكون في كينونته الداخلية محايداً. فلا يجوز له أن يكون متحاملاً او متحيزاً إلى أحد أطراف النزاع، ولا يجوز أن يترك آراءه المسبقة في القضية تُؤثر في حكمه. وإذا كان من الصعوبة بمكان الجزم في أن قاض معين لا يتمتع بالحياد الذاتي في قضية محددة، فإن القاعدة العامة هي افتراض الحياد الذاتي حتى إثبات العكس[34]، وبالتالي لا بد من وضع آليات وتقنيات تمكن المتقاضين من إثبات عدم الحياد، لكن دون استسهال أو تعسف في استخدامها.

أما الحياد الموضوعي: يوجب على القاضي أن يعكس ضمانات كافية لدرء أو نفي أي شك حول حياده، بمعنى آخر يجب على القاضي إعطاء الانطباع بالحياد لأي مراقب رشيد. هذا يعني أنه لا يمكن لقاضي حكم في قضية أن يعود ويحكم فيها مرة ثانية (في درجة أعلى) أو أن يكون له فيها وظيفة أخرى[35]. وينبغي أيضا أن يتصرف القضاة على نحو يحافظ على ظاهر حياد الهيئة القضائية، وصون كرامة مناصبهم، فلا يدلو بأي تعليقات يمكن أن يتوقع منها بصورة منطقية أن تترك أثراً على حصيلة الإجراءات[36].

وبشكل عام، يعتبر حياد القاضي ركن أساسي من أركان المحاكمة العادلة في دولة القانون، حيث يتطلب هذا الحق ألا تكون لدى القاضي ما يدل عن أي مصلحة أو ضلوع –بشكل مباشر أو غير مباشر- في القضية المعروضة أمامه أو إبداء أي أفكار مسبقة بشأنها، وألا يتصرف على نحو يبدو فيه أنه يخدم مصلحة أحد أطراف القضية[37].

باختصار لضمان الحق في قاض جيد في دولة القانون، يجب وضع وإنفاذ آليات تضمن فاعلية معايير استقلال وحياد القاضي. هذه الآليات قد تكون وقائية سابقة أو لاحقة[38]، فالآليات الوقائية يمكن أن تتكرس على سبيل المثال من خلال مبدأ علانية الإجراءات القضائية، في حين أن الآليات اللاحقة تتجسد بشكل طبيعي في الطعن بعدم استقلالية أو اختصاص أو حياد القاضي. فضمان إمكانية سلوك سبل بالطعن في استقلالية وحياد القاضي (ولو استخدمت بضوابط شديدة) يُعد من أهم الضمانات لإعطاء الحق في المثول أمام محكمة مستقلة ومحايدة فاعليته[39].

الخاتمة 

إحدى أهم الظواهر التي واكبت نهاية القرن العشرين هي العولمة، فبالإضافة إلى أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية...، ظهرت عولمة القانون على الساحة الدولية. حيث تم التركيز على أهميتها من قبل العديد من القانونيين وخاصة في مجال المحاكمة[40]هذه العولمة هي حصيلة التوقيع على جملة من الاتفاقيات الدولية التي تضمن قواعد معايير مشتركة الحد الأدنى في مجال المحاكمة. وترسخت هذه القواعد والمعايير في المجتمع الدولي نتيجة تطور أنظمة الرقابة وأدوات حماية حقوق الإنسان فوق الوطنية، والتي نجم عنها اجتهادات قضائية دولية خاصة تتعلق بضمان معايير المحاكمة العادلة. ومن أول هذه المعايير العالمية، الحق في المثول أمام القضاء.

هذا الحق الذي حددنا معايير فعاليته يوجب على الدول ضمانه لا سيما في حالات الطوارئ أو حالات النزاع المسلح[41]، كما هو الوضع القائم في سورية. حيث أنه بدون هذا الحق فأن المتنازعون إما سيلجؤون إلى المزيد من العنف للدفاع عن حقوقهم أو سيتخلون مكرهين عن هذه الحقوق لصاحب الطرف الأقوى.

وهنا لا بد لنا من التأكيد على أن الحق في الوصول إلى محكمة في سورية يشوبه العديد من الخروق والانتهاكات سواء قبل الأزمة، التي تعززت بعدها. فعلى سبيل المثال، نجد أن الفترة الزمنية للنظر في بعض الدعاوى غير منطقية -خاصةً عندما يرتبط النزاع بمصالح الطبقة الحاكمة- حيث يمكن أن تصدر الهيئات القضائية أحكاماً مبرمة (على مستوى مختلف درجات التقاضي) في غضون عدة أسابيع إذا كان لصالحها، في حين قد تستغرق عقود من الزمن بالنسبة للقضايا بشكل عام أو للقضايا التي تكون في غير صالحها. وإذا ما نظرنا إلى تنفيذ الأحكام القضائية فأن الانتهاكات تبدو صارخة، حيث أن الآلاف من الأحكام في مواجهة الدولة وإدارتها المختلفة (السلطة) لا تجد طريق للتنفيذ، في حين يتم تنفيذ أخرى بشكل سريع لاعتبارات سياسية.

كذلك الأمر بالنسبة للحق في قاض جيد فهو بدوره مفرغ من مضمونه. فبدايةً إن الغالب في تعيين القضاة لا يرتكز على خبراتهم وكفاءاتهم بل على انتماءاتهم السياسية وولاءاتهم الشخصية. وكذلك بالنسبة لترقيهم وإقالتهم حيث لا ترتبط بمعايير مهنية مما جعل قاعدة الشك في جودة واستقلالية العديد من القضاة السوريين أمر بديهي وشائع لدى مختلف شرائح المجتمع السوري. ويبقى الخرق الأكبر، فيما يتعلق باستقلال القضاء[42]، يكمن في إفراغ مبدأ الفصل بين السلطات من أي مضمون. حيث أن السلطة التنفيذية (متمثلة بالأجهزة الأمنية) تتدخل في جميع مفاصل الدولة، وذلك نتيجة انعدام أي مظاهر لدولة القانون أو لنظام ديموقراطي حقيقي ولو بالحد الأدنى. أما بالنسبة للرقابة على حياد القضاة، فلا توجد أي آليات لضمانه، فبالرغم من أن الأحكام القضائية تصدر باسم الشعب وعلانية[43]، فإن علانيتها ليست ذات محتوى، حيث أنه في الكثير من الأحكام، ولاسيما الصادرة عن القضاء الاستثنائي الذي توسع بشدة بعد الأزمة لا يمكن الاطلاع عليها[44]. ويبقى الخرق الأهم لحياد القضاة في سوريه هو ارتباطهم الشديد بالأحزاب السياسية. فبالرغم من أن قانون السلطة القضائية النافذ يمنع القضاة من الانتماء للأحزاب السياسية أو حتى مجرد إبداء أهواء سياسية[45]، فإن الغالبية العظمى من قضاة سورية ينتمون لحزب البعث الحاكم منذ أكثر من نصف قرن، وبعضهم يشغل مناصب قيادية في الحزب، بل أن أعضاء في المحكمة الدستورية العليا (أعلى سلطة قضائية) يشاركون في الوفد الحكومي المفاوض مع المعارضة ضمن مفاوضات جنيف.

وبالختام يجب التنويه الى ان المعايير الأساسية لحق المثول امام القضاء، التي تم التطرق لها في هذه الدراسة، تشكل ضمانات بالحد الأدنى لتامين محاكمة عادلة. أي لا يمكن بناء دولة القانون في سوريا مستقبلا من دون ضمان احترام وتطبيق هذه المعايير فعليا.   



[1]     المحاكمة العادلة تعني مجموعة القواعد والمبادئ التي ينبغي ان تقوم عليها الدعوة منذ توجيه الاتهام الى الشخص الى غاية تنفيذه.

[2]     Due process of law or Right to a fair trial, le droit à un procès équitable.

[3]     المادة ١٠: "لكل انسان، على قدم المساواة التامة مع الاخرين، الحق في ان تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرا منصفا وعلنيا، للفصل في. حقوقه والتزاماته وفي أي تهمة جزائية توجه اليه".

[4]     المادة ١٤: "الناس جميعا سواء أمام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون"

[5]      المادة ٥١ تتضمن: "كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم في محاكمة عادل".     

[6]     سوريا وقعت على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في ٢١ ابريل ١٩٦٩.

[7]     ميشال شماس، المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة ومدى التزام المحاكم السورية بها، موقع محماة نت، ١٣ يناير ٢٠١٨.   

[8]     يجب استخلاص المعايير الضامنة لهذا الحق من الالتزامات الدولية السورية، على سبيل المثال: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق العربي لحقوق الانسان.

[9]     S. Guinchard, C. Chainais, C. S. Delicostopoulos, L. S. Delicostopoulos, M. Douchy-Oudot, F. Ferrand, X. Lagarde, V. Magnier, H. Ruiz Fabri, L. Sinopoli et J.-M. Sorel, Droit processuel, Droits fondamentaux du procès, 9e édition, Dalloz, 2017, n° 234 et s.

[10]    مفهوم المحكمة هو مفهم أساسي في قانون الإجراءات، هو مفهوم صعب تحديده، ولا يوجد معيار واحد لتحديده، ولكن مجموعة معايير تساعد على فهمه. من أجل بحث معمق في هذه المعايير في القانون الفرنسي التي من الممكن تطبيقها على القانون السوري انظر:

       E. Jeuland, Le droit processuel, Systèmes droit, LGDJ,2003, p. 182 et s.

[11]    للتعمق في مفهوم المحكمة المشكلة بالقانون: 

       Recueil juridique des standards internationaux relatifs à un procès équitable, OSCE/ODEHR, 2013 ; J. Meunier, La notion de procès équitable devant la Cour européenne des droits de l’homme ; Guide sur l’article 6 de la convention européenne des droits de l’homme, droit à un procès équitable (volet pénal).

[12]    المادة ١٤ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة ٨ من الإعلان العالمي لحقوق الانسان. 

[13]    S. Guinchard, C. Chainais, C. S. Delicostopoulos, L. S. Delicostopoulos, M. Douchy-Oudot, F. Ferrand, X. Lagarde, V. Magnier, H. Ruiz Fabri, L. Sinopoli et J.-M. Sorel, Droit processuel : droit commun et droit comparé du procès équitable, 5e édition, Dalloz, 2009, p. 606 et s.

[14]    Guide sur l’article 6 de la convention européenne des droits de l’homme, droit à un procès équitable (volet pénal).

[15]    E. Jeuland, Droit processuel général, Domat, 3e édition, LGDJ, 2014, n° 178.

[16]    منظمة العفو الدولية، دليل المحاكمة العادلة، الطبعة الثانية، ٢٠١٤. 

[17]    Justice delayed, justice denied – Si la justice est retardée, il n’y a pas de justice.

[18]    E. Jeuland, Droit processuel général, Domat, 3e édition, LGDJ, 2014, n° 179 et s.

[19]    E. Jeuland, Droit processuel général, Domat, 3e édition, LGDJ, 2014, n° 183.

[20]    هذين المبدأين منصوص عليهما أيضا في المادة ١٠ من الإعلان العالمي لحقوق الانسان. 

[21]    منظمة العفو الدولية، دليل المحاكمة العادلة، الطبعة الثانية، ٢٠١٤.

[22]    E. Jeuland, Droit processuel général, Domat, 3e édition, LGDJ, 2014, n° 189.

[23]    منظمة العفو الدولية، دليل المحاكمة العادلة، الطبعة الثانية، ٢٠١٤.

[24]    عبد الجليل مفتاح، مبادئ المحاكمة العادلة في دساتير المغرب العربي، دفاتر السياسة والقانون، العدد ٢٣ جوان ٢٠١٥.

[25]    Recueil juridique des standards internationaux relatifs à un procès équitable, OSCE/ODEHR, 2013.

[26]    سفيان عبدلي، استقلالية السلطة القضائية بين الجزائر وفرنسا، NOOR publishing، ص. ٦.

[27]    Le régime juridique des validations législatives, Sénat, Service des Études juridiques, Note de synthèse du service des études juridiques (2005-2006) - 10 février 2006.

[28]    E. Jeuland, Droit processuel général, Domat, 3e édition, LGDJ, 2014, n° 189.

[29]    E. Jeuland, Droit processuel général, Domat, 3e édition, LGDJ, 2014, n° 190.

[30]    منظمة العفو الدولية، دليل المحاكمة العادلة، الطبعة الثانية، ٢٠١٤.

[31]    S. Guinchard, C. Chainais, C. S. Delicostopoulos, L. S. Delicostopoulos, M. Douchy-Oudot, F. Ferrand, X. Lagarde, V. Magnier, H. Ruiz Fabri, L. Sinopoli et J.-M. Sorel, Droit processuel, Droits fondamentaux du procès, 9e édition, Dalloz, 2017, n° 314.

[32]    Padovani c./ Italie [1993] CEDH 12, paragraphe 27. 

[33]    منظمة العفو الدولية، دليل المحاكمة العادلة، الطبعة الثانية، ٢٠١٤.

[34]    E. Jeuland, Droit processuel général, Domat, 3e édition, LGDJ, 2014, n° 193.

[35]    E. Jeuland, Droit processuel général, Domat, 3e édition, LGDJ, 2014, n° 195.

[36]    منظمة العفو الدولية، دليل المحاكمة العادلة، الطبعة الثانية، ٢٠١٤.

[37]    منظمة العفو الدولية، دليل المحاكمة العادلة، الطبعة الثانية، ٢٠١٤.

[38]    E. Jeuland, Droit processuel général, Domat, 3e édition, LGDJ, 2014, n° 205.

[39]    منظمة العفو الدولية، دليل المحاكمة العادلة، الطبعة الثانية، ٢٠١٤.

[40]    S. Guinchard, C. Chainais, C. S. Delicostopoulos, L. S. Delicostopoulos, M. Douchy-Oudot, F. Ferrand, X. Lagarde, V. Magnier, H. Ruiz Fabri, L. Sinopoli et J.-M. Sorel, Droit processuel : droit commun et droit comparé du procès équitable, 5e édition, Dalloz, 2009, p. 447 et s

[41]    منظمة العفو الدولية، دليل المحاكمة العادلة، الطبعة الثانية، ٢٠١٤.

[42]    مع ان المواد ١٣٢ الى ١٣٤ من الدستور السوري لعام ٢٠١٢ تؤكد على مبدا استقلال القضاة وتوجب على رئيس الجمهورية ضمانه. 

[43]    المادة ١٣٨ من الدستور السوري لعام ٢٠١٢.

[44]    لدراسة سريعة حول الاشكال المختلفة للقضاء الاستثنائي، انظر: حبيب عيسى، التأسيس الدستوري للعدالة الانتقالية في سورية الأسس والمنطلقات، ٢٠١٧، مركز حرمون للدراسات المعاصرة. ولدراسة معمقة في بعض اشكال القضاء الاستثنائي، انظر: اسامة نجار، محكمة قضايا الإرهاب، ٢٠١٨، المنتدى القانوني السوري ; رياض علي، محاكم الميدان العسكري: محاكم ام جرائم، ٢٠١٨، المنتدى القانوني السوري.

[45]    المادة ٨١ من قانون السلطة القضائية، المرسوم رقم ٩٨ لعام ١٩٦١. 


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (0)
Sort by : Date | Likes