1293 عدد المشاهدات visibility
comment0 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ١٥ مايو، ٢٠١٨

       

 مبدأ سيادة القانون والوعي الاجتماعي  في سورية 

                                                                                                                         المحامي علي الحمادي


مخطط البحث  

1   المقدمة 

2  .  مفهوم مبدأ سيادة القانون : يقصد بمبدأ سيادة القانون احترام القواعد القانونية من كافة سلطات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية واحترام الافراد الذين تتكون منهم الدولة سواء كانوا حكاما أو محكومين لقواعد عامة موضوعة مسبقا شاملا بذلك القانون بمعناه الواسع بدءا من الدستور والقانون الذي يصدر من السلطة التشريعية وصولا إلى اللائحة التنفيذية الذي تصدره السلطة التشريعية.

3 . مفهوم الوعي الاجتماعي :

هو مستوى الإدراك والفهم الاجتماعي المشترك بين كل أو الغالبية الساحقة لأفراد مجتمع  معين والتي تقوم على تبادلية بين الفرد ومجتمعه بحيث يؤثر كل منهما بالأخر .

وعليه فإن القيم المشتركة في مجتمع معين هي التي تحدد مدى قبول ذلك المجتمع لقانون معين أو عرف معين .....الخ.

4 .  علاقة المفهومان وتأثير كل منهما بالدول الديمقراطية المتقدمة  : 

لاشك في أن لمستوى الفهم العام لضرورة الالتزام بالقوانين وتطبيقها على الحكام قبل المحكومين الذي هو لب مبدأ سيادة القانون أهمية كبيرة في تحقيق المجتمع الديمقراطي الذي تتساوى فيه السلطات الأساسية والقائمين على إدارتها بحيث يصبح الجميع خاضعا للمسائلة في حدود الحقوق والواجبات التي يفرضها قانون تلك الدولة .

5 . علاقة المفهومان وتأثير كل منهما في الدول الغير ديمقراطية و المتخلفة :

بناءا على كلامنا في الفقرة السابقة فإن مبدأ سيادة القانون ضعيف جدا في هذه المجتمعات نتيجة عدم  احترامه أولا من السلطات الحاكمة التي تدعي الالتزام به شكليا وهي أول من يخرقه عمليا أضف  إلى ضعف التوعية الاجتماعية بما للفرد من حقوق وعليه من واجبات وهنا نجد صعوبة اصلاح تلك المجتمعات التي لم تعش بشكل حقيقي في جو من الديمقراطية وسيادة القانون ما يؤدي إلى عرقلة ترسيخ دولة القانون في حالة اصلاح مؤسسات الدولة وسلطاتها الرئيسية الثلاث بسبب عدم ثقة الأفراد المحكومين بهذا المبدأ بسبب العهود السابقة التي لم تحترم فيها سيادة القانون .

6 . أسباب وصور التخلف المجتمعي في احترام مبدأ سيادة القانون في سوريا والدول النامية عموما :

يظهر عدم احترام القوانين في البلدان النامية في صور كثيرة منها مثلا عدم المبالاة بحماية المرافق العامة وإتلافها ولا تجد أحد يعيب على مرتكب التخريب ذلك الأمر ، أذكر مثلا عندما كنا صغارا كان الكثير من الأولاد يضربون مصابيح البلدية بالحجارة ونادرا ما يعاقبهم  أهاليهم أو يمنعوهم .

فعدم احترام مبدأ القانون والمال العام يبدأ من موظفي الدولة حيث الرشاوى والمحسوبيات وينتهي بالفرد الذي لا يشعر بأن ذلك المال العام يعود له من حيث الملكية والنفع  .

. الخاتمة :

لا يمكن اصلاح الأفراد ورفع مستوى وعيهم واحترامهم للقانون إلا بقيام سلطات ومؤسسات الدولة باحترام القانون أولا  ومن ثم يتم رفع مستوى شعور  الأفراد بوجوب احترام وتطبيق القانون بشكل طوعي لا زجري .



                  

1 . المقدمة :

تأتي أهمية البحث في سيادة القانون وترسيخها في مجتمعنا السوري من كون معيار التقدم والتطور في المجتمعات الحديثة هو مدى التزام تلك الدول والمجتمعات بسيادة القانون والوعي الكامل بأهمية سيادة القانون من قبل الحكام والمحكومين أي من قبل سلطات الدولة الرئيسية الثلاث ومختلف أجهزة الدولة المنضوية عمليا تحت كنف تلك السلطات والتابعة لها ، والمحكومين الذين هم عموم المواطنين والأجانب المقيمين على أرض الدولة .

وكلما زاد وعي المواطنين وتفهمهم وتقبلهم لقوانين بلدهم كلما تحولنا للالتزام الطوعي لتطبيق تلك القوانين وعدم التحايل عليها لأن الأمر نابع من شعور داخلي لديهم بأنها وجدت لحمايتهم وحماية مصالهم المشروعة .

في بلدنا سورية ضعف هذا المبدأ الى حد كبير منذ فرض قوانين الطوارئ في بداية الستينات مع صعود حزب البعث العربي الاشتراكي وبقية الأحزاب القريبة من اليسار الشيوعي التي لا تعبأ كثيرا  بمواضيع حقوق الانسان وسيادة القانون انطلاقا من فكرة أن الفرد يجب أن يكون في خدمة المجموع وما ترتب على ذلك من قمع وإفساح المجال أمام الحكام الجدد وموظفي الدولة  ( الذين كانوا يعيبون على حزب الشعب آن ذاك والبرجوازية السورية الوطنية الناشئة بأنهم يستولون على مقدرات الجماهير ويسرقون قوتها ) حل أولئك وبشكل أكثر فظاظة في سرقة مقدرات الناس ومصادرة 

الحريات العامة وهو برأيي أخطر إجراء قامت به السلطات في الستينات ، فما عاد يخشى المرتشون والوصوليون من المحاسبة ولا حتى  من إظهار فحشهم وجرائمهم  وتجاوزاتهم وحتى وقت قريب كنت أسمع من بعض البسطاء في بداية    الإحتجاجات السلمية  في عام 2011 م بأن من حق الدولة (يعني السلطة التنفيذية )

أن تقتل أولئك المحتجين لأنهم يريدون تدمير الوطن ( والمقصود فيه هنا هو رأس السلطة الديكتاتورية التي اغتصبت الوطن أصلا وسرقت مقدراته )  ، علما أنهم سلميين ويعلم محدثك من أولئك الناس العاديين بأنهم سلميين ومن هنا تأتي أهمية وعي المجتمع بحقوقه وضرورة العمل على تعميق هذا الوعي والحس العالي بمالي كمواطن من حقوق وما علي  من واجبات  ، خاصة بعد هذا التجهيل الطويل للسوريين كما أسلفت عبر مصادرة الحريات العامة والسيطرة على وسائل   الإعلام وانعدام العدالة لأن السلطة القضائية تنعدم حياديتها في بلادنا عندما يتعلق الأمر بالشأن العام والطبقة السلطوية الحاكمة ، فلا ننسى حجم الضغط على القضاة من قبل المخابرات   التي هي يد السلطة القمعية الثقيلة حيث أنك تسمع في الشارع السوري أن أي عنصر في المخابرات يستطيع الذهاب إلى مكتب أي قاض وتهديده إذا لم يحكم بكذا وكذا مع الفارق الشاسع من الناحية القانونية والنظرية بين مرتبة القاضي ومرتبة جندي في جهاز أمني ، أضف إلى أن كلا منهما يتبع سلطة مستقلة .


2 .مبدأ سيادة القانون : 

ظهر مبدأ سيادة القانون مع اندلاع الثورة الفرنسية حيث جاء ردا على امتيازات الطبقة الحاكمة من رجال دين وإقطاعيين وكبار رجال الدولة والطبقة الأرستقراطية وكان امتداد وترجمة عملية لأفكار فقهاء ومنظري الثورة الفرنسية  .

ويقصد به احترام القواعد القانونية من كافة سلطات الدولة سواءا  كانوا  حكاما أو محكومين لقواعد موضوعة مسبقا ، شاملا بذلك القانون بمعناه الواسع بدءا من الدستور والقانون وصولا إلى اللائحة التنفيذية  ويعد مبدأ سيادة القانون من المبادئ القانونية المستقرة في الدولة القانونية المعاصرة كأساس للمشروعية أي مشروعية الأعمال التي يؤدونها ولكن لا يعنيهذا المبدأ مجرد الالتزام بمضمون أو جوهر القانون بل إن القانون يجب أن يكفل الحقوق والحريات للأفراد جميعا ، وهذا هو جوهر سيادة القانون .    

أما إذا حصل العكس وكان القانون لا يأبه بحقوق وحريات الأفراد فإن ضمان الحقوق والحريات سيتحول إلى عزاء سخيف لضحايا القانون ومن ثم يصبح هذا المبدأ عديم الفاعلية إن لم نقل أنه أصبح وسيلة للظلم  والمزاجية في التطبيق لأنه في هذه الحالة لا يحقق الامن الحقيقي لأفراد المجتمع فالقانون ليس مجرد أداة لعمل سلطات الدولة فحسب بل إنه الضمان الذي يكفل حقوق الأفراد في مواجهة هذه السلطات .

وتفعيلا لمبدأ سيادة القانون تأتي أغلب الدساتير لتحتم على من يتقلد السلطات العامة أن يحترم القانون بهذا المعنى الواسع ويقسم أساتذة القانون الدستوري الدول وفقا لاحترام مبدأ سيادة  القانون إلى دولة قانونية ودولة بوليسية تتجسس على مواطنيها وتشيع جوا  من الخوف والإرهاب كما هو الحال في سورية  والبلدان السلطوية حيث تبتلع السلطة التنفيذية وأذرعها الأمنية السلطة القضائية و السلطة التشريعية  ويتحول مبدأ سيادة القانون إلى كلمة فارغة شكلية لا معنى لها يرتبط معناها بالفوضى لا بالقانون .

فالدولة القانونية هي التي تخضع  تصرفات كل من الحكام والمحكومين على السواء لحكم القانون ، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز لأي سلطة  أن تزاول أي نشاط إلا بمقتضى قواعد سبق وضعها وفقا للأوضاع والشروط المقررة .

أما الدولة البوليسية فهي التي تأبى الخضوع للقانون ، وترفض الانصياع لأحكامه فهي فوق القانون والحكومة حين تمارس السلطة العامة تكون غير مقيدة باتباعه .وتختلط إرادة الحاكم بالقانون فهو الذي يضعه ويعدله ويلغيه وإن أراد أهدره وفي هذا النوع من الحكومات تضيع  الحقوق وتنتهك الحريات .

ولابد من القول أن تعريف مبدأ سيادة القانون بالقول بأنه التزام الحكام والمحكومين  بالقانون كأساس لمشروعية أعمالهم هو تعريف شكلي أو نظري أكثر مما هو واقعي وعملي يؤدي أحيانا إلى نتائج غير منطقية وغير سليمة 

فإذا كان القانون يكرس العنصرية والتفرقة بين أفراد المجتمع ويكرس الاستبداد ... كما هو الحال في الكثير من القوانين في سورية مثل سن حالة الطوارئ لعشرات السنين دون وضع حد لانتهائها أو ضوابط تنفيذها وكذلك محاكم الميدان العسكرية التي لا يوجد فيها ضمانات أو حتى  توكيل محامي للدفاع عن المتهم فهي أقرب ما تكون لمحاكم التفتيش ولربما أشنع وأسوء فهنا تتحول المحكمة من دار للعدالة إلى دار للحكم المطلق بتنفيذ إرادة الحاكم والدفاع عن مصالحه السلطوية الضيقة ضد مصلحة عموم مواطني الدولة ومستقبلها ويصبح لفظ محكمة أو قانون أقرب إلى نكتة سخيفة وسمجة .

وعليه فلابد من توسيع مفهوم سيادة القانون والعنصر الشكلي بإضافة عنصر موضوعي ، ينظر في مضمون القانون الذي يجب أن يسود بحيث يضمن هذا القانون احترام الانسان ويضمن حقوقه ويحقق العدالة .

فالقانون لا يعلو ولا يسود ولا يسمو إلا بكفالته للحريات والحقوق العامة  ، فالسيادة المتمثلة باحترام القانون ونصوصه ماهي إلا نتيجة لمضمون هذا القانون .


3 . مفهوم الوعي الاجتماعي :

هو مستوى الإدراك والفهم الاجتماعي المشترك بين كل أو الأغلبية الساحقة لمجتمع معين والتي تقوم على علاقة تبادلية بين الفرد  ومجتمعه بحيث يؤثر كل منهما في الأخر .

وعليه فإن القيم المشتركة لمجتمع معين هي التي تحدد مدى قبول ذلك المجتمع لعرف معين أو قانون معين .... الخ .

وبإسقاط هذا المفهوم على المجتمع السوري في الفترة التي حكم فيها العسكر البعثيين منذ عام 1963 م وحتى عام 2011م  نجد أن عملية تجهيل واضحة لبعض الجوانب الحقوقية والقانونية دون غيرها ، والهدف هنا واضح وهو أنك ممنوع من أن تعرف حقوقك الأساسية وبالأخص فيما يتعلق بحرية التعبير والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة وبالأخص السياسية منها ،فنجد أن مناهج التدريس في مادة التربية القومية تمجد القائد الفرد الذي يحكم إلى الأبد وتعتبر أن كل ما يقوم به هو تفضل على الدولة والمواطنين ولا تأتي تلك المناهج على ذكر حقوق المواطنين باختيار حكامهم ولا بحقهم في التعبير أو الحرية الإقتصادية حيث أن حق التعبير والمؤسسات الإعلامية بيد السلطة الحاكمة التي تمجد الفرد وتحمل الفرد منية في أنه يحكمهم ليمتزج مفهوم الوطن والدولة بالحاكم نفسه حتى أنك لتسمع مصطلح تحت سقف الوطن كثيرا والمقصود به تحت سقف رئيس الدولة أي الدكتاتور نفسه وهذه المعزوفة التي ولدت قطاعا واسعا من الجهل في المجتمع وهو ما رأيناه بكثرة في المجتمع بعد اندلاع المظاهرات السلمية والربيع العربي حيث تغيب فكرة أن رئيس الدولة وموظفيها هم موظفين لدى الشعب وليس الشعب موظفا لدى السلطة الحاكمة ، وخذ الكثير من الأمثلة التي تعبر عن عدم احترام القانون بدءا من رأس السلطة وصولا إلى الناس البسطاء بسبب هذا التعتيم الهائل على الناس وتضليلهم والكذب عليهم . 


وهنا يظهر التمايز بين المجتمعات النامية نفسها التي وصل إلى حكمها أناس متنورين حيث سنواقوانين التزموا بها وألزموا مواطنيهم بها أيضا مثل رائد النهضة الماليزية مهاتير محمد والقصة المعروفة عنه عندما قال أريد أن أجعل من كوالالامبور مثل دمشق ! واليوم نتساءل أين أصبحت دمشق وسورية من ركب الحضارة واحترام القانون .


4 . علاقة المفهومان وتأثير كل منهما في الدول الديمقراطية :

لا شك في أن مستوى الفهم العام لضرورة الالتزام بالقوانين وتطبيقها على الحكام قبل المحكومين الذي هو لب مبدأ سيادة القانون أهمية كبيرة في المجتمع الديمقراطي الذي تتساوى فيه سلطات الدولة الأساسية والقائمين عليها بحيث يصبح الجميع خاضعا للمساءلة في حدود الحقوق والواجبات التي يفرضها قانون تلك الدولة ، فالمواطن في هذه الدولة يجد العدالة في هذه القوانين و العدالة  في تطبيقها أيضا من الناحية العملية الأمر الذي يخلق الرضا العام ويشجع عجلة التقدم في مختلف الميادين وهو عمليا ما نفتقده في سورية وهو ما ينبغي أن نعمل عليه كسوريين في بناء مجتمع واعي يميز بين الشعارات الفارغة التي تسلبه حريته وكرامته وتدفع به إلى التأخر عن ركب الحضارة فكما أن المجتمعات الحضارية وصلت إلى ما وصلت إليه في احترام الانسان وحقوقه فعلينا العمل على ترسيخ سلطة ديمقراطية أولا في بلادنا بإزالة قوى القهر والطغيان والعمل على التحول الديمقراطي الذي يستند على تنمية الوعي الاجتماعي والحس الوطني العام وتعزيز ثقة الفرد بنفسه ليكون هو نفسه حارسا لبلده وقوانينها .


5. علاقة المفهومان وتأثير كل منهما في الدول غير الديمقراطية :

بناءا على كلامنا في الفقرة السابقة فإن مبدأ سيادة القانون هو ضعيف جدا في هذه المجتمعات نتيجة عدم احترامه من السلطات الحاكمة كونها تدعي الالتزام به شكليا وهي أول من يخرقه عمليا أضف إلى ذلك ضعف التوعية الاجتماعية بما للفرد من حقوق وما عليه من واجبات إن لم نقل التجهيل المتعمد أو تشويه الوعي بهذه الحقوق والواجبات وهنا نجد صعوبة في إصلاح هذه المجتمعات كما في حالتنا السورية التي لم تعش بشكلحقيقي  في جو من الديمقراطية وسيادة القانون ما يؤدي إلى عرقلة ترسيخ دولة القانون حتى في إصلاح مؤسسات الدولة وسلطاتها الرئيسية الثلاث بسبب عدم ثقة الأفراد المحكومين بهذا المبدأ بسبب العهود الطويلة التي كان يخرق فيها القانون أو يسن فيها قوانين جائرة هي أقرب  ما تكون بقانون الغاب والقوة لا القانون بالمعنى المعروف .

6 . أسباب وصور التخلف المجتمعي في احترام مبدأ سيادة القانون في سورية: 

يظهر عدم احترام القوانين في سورية من ناحية الوعي الاجتماعي في صور كثيرة منها مثلا عدم المبالاة بالمرافق العامة وإتلافها ولا تجد أحدا يعيب على مرتكب ذلك التخريبهذا الأمر ، أذكر مثالا عندما كنا صغارا أن كثيرا من الأولاد كانوا يضربون مصابيح البلدية بالحجارة ونادرا ما يوبخهم أهاليهم أو يمنعوهم من ذلك والكثير من الأمثلة مثل عدم المحافظة على أبنية المال العام أو الحدائق العامة وسائر الخدمات ذات النفع العام طبعا كل ذلك بنسب مختلفة ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى ومن مكان إلى أخر .

ولكي نجيب على هذا التساؤل لابد أن نعرف ماهي الظروف الاستثنائية والسياسية والقانونية التي مر بها المجتمع 

السوري منذانقلاب أذار 1963 م حيث دفن ما تبقى من الديمقراطية و حقوق الانسان وسيادة القانون ، فقد أعلنت حالة 

الطوارئ منذ اليوم الأول للإنقلاب ببيان عسكري ( أمر عسكري ) وهو مخالف حتى لقانون الطوارئ الصادر عام 1962 م الذي يشترط أن يصدر من مجلس الوزراء برئاسة رئيس الدولة وموافقة ثلثي الوزراء و مصادقة مجلس 

الشعب !! وحتى هذا الأمر الشكلي لم يحترم واستمرت البلاد ترزح تحت نير هذه الحالة (حالة الطوارئ)  حتى عام 2012 م  بعد انطلاق الربيع العربي فوافق النظام على إلغاء حالة الطوارئ وقام بإحلال قانون أسوأ منه وهو قانون مكافحة الإرهاب الذي يقصد منه تجريم كل معارض سياسي حتى ولو بالأفكار ولو لم يقم بأي عمل ، والشيء المضحك المبكي أن معا أن السلطات الإنقلابية لم تكن تلتزم حتى بالقوانين التي تصدرها فمثلا عندما لا ينطبق وصف الإرهابي على شخص معين تقوم القوات الأمنية بتعذيبه حتى يعترف بما يريدون أو يواجه الموت تحت التعذيب .

ومن الصور لعدم وجود سيادة القانون في سورية هي المحاكم الاستثنائية مثل محاكم الميدان العسكرية والتي أنشأت أصلا لمحاكمة العسكريين أواخر الستينات في زمن الحرب ثم أضيف إليها بند عام 1980 م بأنها تشمل الاضطرابات الداخلية بقصد محاكمة المدنيين الذين يشتبه بانتمائهم للإخوان المسلمين أو الشيوعيين أو البعثيين المؤيدين لبعث العراق مع ما تتضمنه تلك المحاكم من إنعدام الضمانات التي تكفل حق الدفاع عن المتهمين وحتى عدم صحة تشكيلها حيث يفرض قانون إنشائها بأنها محكمة جماعية تتألف من ثلاث أعضاء فيما تقول روايات من حوكموا فيها بأنها كانت تتألف من قاض واحد دخلوا إلى المحكمة وسمعوا الحكم فقط ثم عادوا إلى السجن .

ومن صور القوانين التي لا يجوز تسميتها بقانون مثل القانون رقم 49 لعام 1980 م الذي ينص في مادته الأولى : يعاقب 

بالإعدام كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين من دون النظر فيما  إذا ارتكب ذلك الشخص لجرائم أم لا ومعاقبته بالإعدام حتى ولو لم يقمبأي عمل جرمي .

وعلى العموم نستطيع القول يأن السلطات الحاكمة لا تحترم حتى القوانين اللا إنسانية والغير دستورية التي تصدرها فقوات الأمن تستطيع اختطاف أي شخص وتغيبه لسنوات وتعذيبه وحتى قتله من دون أن يعرض على أي محاكمة وحتى أنه يوجد مرسوم برقم 14 عام 1969 م تنص المادة 16 منه : ( لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات الموكلة إليهم إلا بموجب أمر يصدر من المدير ) .

وهنا يقصد بهم أفراد المخابرات والبوليس السري .

7 . الخاتمة :

ومما تقدم ذكره يتبين لنا وفق رؤيتي لحل هذه المعضلة في سورية ما يلي : 

أولا -لابد من إزالة نظام الاستبداد واستبداله بنظام ديمقراطي وهذا ما طالبت به جماهير المحتجين في عام 2011 م .

ثانيا - انهاء حالة الفشل التي وصلت إليها مؤسسات الدولة والجيش العسكرية  منها والمدنية بفتح باب المحاسبة على الجرائم التي ارتكبت من قبل أفراد تلك المؤسسات وتحويلها إلى مؤسسات وطنية ولاؤها لسورية الوطن لا سورية الفرد وبناء الجيش على أسس وطنية وإبعاد ومحاسبة كل من ارتكب جرائم أو سهل ارتكابها أو لم يمنع إرتكابها في حال كان في موقع قيادة أو موقع مؤثر .             

ثالثا – تعزيز الوعي المجتمعي بمبدأ سيادة القانون وحقوق الانسان وإدخال هذين المبدأين في المناهج التعليمية واستبدالهما بالمواد التي تكرس تمجيد الدكتاتورية كي نصل مع الزمن  الى جيل واعي بحقوقه وواجباته لأن مجرد سن قوانين عادلة في وسط غير واعي بأهمية تلك القوانين لن يأتي بنتائج كاملة لتعزيز مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه .

رابعا – العمل على إيجاد صيغة للمصالحة الوطنية الشاملة بعد الشروخ الكبيرة التي خلفتها الحرب في سورية في جسم المجتمع السوري وتعزيز مبدأ التسامح و التسامي فوق الجراح ، طبعا كل ذلك بعد محاسبة المجرمين الذين ارتكبوا جرائم  .خامسا - الاسترشاد بالتجارب الديمقراطية في البلدان التي مرت بظروف مشابهة لما مرت به سورية من حيث غياب الديمقراطية لعقود طويلة أو التي خرجت من حروب مدمرة .

وعلى الصعيد العربي أجد التجربة التونسية تجربة جيدة يمكن الاسترشاد بها في بعض الجوانب وليس كلها لكون كل بلد له بعض الظروف الخاصة التي تختلف عن البلد الأخر .

سادسا - العمل على مبدأ الشفافية ومكافحة الفساد الذي هو نتيجة من نتائج مبدأ سيادة القانون وعدم تمكين الفاسدين والعناصر ضعيفي الكفاءة  من إدارة مؤسسات الدولة المدنية لزيادة كفاءتها وتلبية حاجات المجتمع .

سابعا – العمل على دعم حرية التعبير والصحافة الحرة وجعل وسائل الإعلام الحكومية في خدمة المصالح العليا للمجتمع لتقوم بدورها في توعية المواطنين والارتفاع بوعيهم والكشف عن مواطن الخلل سواء من قبل الحكام أوالمحكومين .

ثامنا – بناء جهاز قضائي مستقل وفعال حيث أن السلطة القضائية هي إحدى السلطات الثلاث الرئيسية وهي ركيزة مهمة إن لم تكن الأهم في مجال فرض تطبيق القانون وإنفاذه وصولا إلى دولة العدالة والقانون .

وخلاصة القول لا يمكن إصلاح الأفراد ورفع مستوى وعيهم واحترامهم للقانون إلا بقيام نظام ديمقراطي عادل وشفاف بحيث تقوم مؤسسات وسلطات الدولة باحترام القانون أولا ومن ثم يتم العمل على رفع شعور الأفراد بوجوب احترام وتطبيق القانون بشكل طوعي أكثر مما هو زجري وأعتقد أننا في سورية نحتاج أكثر من أي وقت مضى لتفعيل هذا المبدأ أي مبدأ سيادة القانون وفقا لهذه الحلول التي طرحتها .


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (0)
Sort by : Date | Likes