1805 عدد المشاهدات visibility
comment1 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ١٨ أبريل، ٢٠١٨

المحكمة الدستورية العليا في سورية، الواقع والمأمول

                                                                                                                                     القاضي رياض علي

ملخص تنفيذي:

ــ النص النظري لايكفي لصون الحقوق والحريات العامة، وهذا أدى إلى وجود مايسمى بالقضاء الدستوري، لرقابة مدى إلتزام سلطات الدولة بالدستور.

ــ يُعيَّن أعضاء المحكمة الدستورية من قبل رئيس الجمهورية بمرسوم لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد.

ــ تختص المحكمة الدستورية برقابة  دستورية القوانين والمراسيم التشريعية واللوائح والأنظمة، وتبدي رأيها في مشاريع القوانين والمراسيم التشريعية قبل صدورها بناء على طلب من الرئيس أو خُمس أعضاء مجلس الشعب، وتشرف على انتخابات رئيس الجمهورية وتنظر في الطعون التي قد ترد على إنتخابات رئيس الجمهورية أو أعضاء مجلس الشعب، وتحاكم رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى، وتفسر نصوص الدستور.

ــ تعيين أعضاء المحكمة من قبل رئيس الجمهورية يتناقض مع مبدأ فصل السلطات، ويجعل من أعضاء المحكمة مجرد تابعين للسلطة التنفيذية، وينسف استقلالية المحكمة، وإن منح الهيئة العامة للمحكمة صلاحية إقالة أحد أعضائها هي مجرد صلاحية شكلية.

ــ إن منح المحكمة صلاحية محاكمة رئيس الجمهورية هي صلاحية نظرية مستحيلة التحقق، لأنه يشترط لتحقق هذا الأمر أن يكون طلب إتهامه بقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضائه بجلسة خاصة سرية، ثم كيف لأعضاء المحكمة أن يحاكموا من عينهم؟

ــ إنَّ تأسيس المحكمة الدستورية بشكل صحيح، وإخراجها من تحت وصاية السلطة التنفيذية، سيمثل رسالة قوية مفادها إن مبدأ سيادة القانون سيتحقق، وإن مبدأ فصل السلطات سيترسخ.

مقدمة :

يعتبر مبدأ سيادة القانون هو الأكثر شمولاً لمعظم المبادئ القانونية المتداولة، وذلك لأنه يعني أن يكون القانون هو الحاكم للفرد والمجتمع والدولة، وهذا يؤدي بالنتيجة إلى صون كافة الحقوق والحريات الأساسية التي وردت في الكثير من العهود والمواثيق الدولية، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية لعام 1966، كذلك الحال بالنسبة للقوانين الداخلية، ولا سيما الدساتير.

صحيح إن التأكيد على مبدأ سيادة القانون وضرورة صون الحقوق والحريات العامة قد ورد في دساتير الدول، لكن النص الورقي لوحده لا يكفي لضمان تلك المبادئ والحقوق، فكان لابد من وجود آلية رقابية ذات صلاحيات كاملة في تقرير مدى إلتزام سلطات الدولة بالدستور كونه القانون الأسمى في الدولة (أبو القوانين)، ومن هنا كانت فكرة إيجاد نظام رقابي، يراقب مدى دستورية القوانين الصادرة عن الدولة، وتَمثَّلَ ذلك بإحداث القضاء الدستوري، بغض النظر عن مدى تشابه التسمية أو إختلافها من دولة إلى أخرى، (المحكمة الدستورية العليا، المحكمة الإتحادية العليا، المجلس الدستوري ...الخ)، ما دامت الغاية واحدة ألا وهي مراقبة مدى توافق قوانين الدولة مع دستورها، وامتلاك صلاحية إصدار حكم قضائي بإلغاء القانون إن كان الأخير مخالفاَ له (الدستور). 

وحيث إن الرقابة الدستورية تعتبر إحدى الضمانات الأساسية التي تعزز مبدأ سمو الدستور وعلوه، وبدون هذه الرقابة الفاعلة يصبح هذا المبدأ مبدأً وهمياً لا قيمة له، ويتحول الدستور إلى مجرد وثيقة خرساء لا معنى لها.

وما دفعنا الى كتابة هذه الورقة البحثية هو تسليط الضوء على المحكمة الدستورية العليا في سورية، وفيما إذا كانت قد حققت الأهداف التي أنشِئَت من أجلها؟، وفيما إذا كانت قادرة على القيام بالمهام الموكلة إليها بموجب الدستور والقانون الناظم لعملها؟   وذلك من خلال التعريف بهذه بالمحكمة والتعريف بمهامها واختصاصاتها، وآلية إحداثها، وأهم المثالب التي تعتري عملها، والطريقة الفضلى لتجاوزها.


أولاً : التعريف بالمحكمة الدستورية وتشكيلها:

ذكرت المادة 140 من الدستور السوري إن المحكمة الدستورية العليا هي "هيئة قضائية مستقلة"، وكررت ذلك المادة الأولى من القانون رقم 7 لعام 2014 الناظم لعمل المحكمة.

وبحسب المادة 141 من الدستور تشكل المحكمة من سبعة أعضاء على الأقل يكون أحدهم رئيسا للمحكمة، يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم، وبموجب هذه المادة فإن الحد الأدنى لعدد أعضاء المحكمة هو سبعة أما الحد الأعلى فهو غير معلوم، إلا أن الدستور عاد وأحال أمر ملاك المحكمة والشروط الواجب توفرها فيهم، ومسؤولياتهم وحصاناتهم الى القانون الناظم لعملها[1]، الذي حدد العدد بأحد عشر عضواً يكون أحدهم رئيساً يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد[2]، ويؤدي رئيس المحكمة وأعضاؤها قبل توليهم لمهامهم اليمين القانونية أمام رئيس الجمهورية وبحضور رئيس مجلس الشعب[3]، وفي حال شغور منصب أحد الأعضاء بسبب الوفاة أو الإقالة أو الاستقالة يسمي رئيس الجمهورية بديلاً عنه لمدة لا تتجاوز المدة الباقية لسلفه[4].

ولا يشترط أن تنعقد المحكمة بكامل أعضائها اذ يكفي تواجد الأغلبية كي يغدو النصاب القانوني مكتملاً، وتتخذ القرارات بالأغلبية، وفي حال تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي فيه صوت الرئيس[5].

ونلاحظ بأن دستور عام 2012 كرر ذات النصوص الموجودة في دستور عام 1973 فيما يخص المحكمة الدستورية، مع بعض التعديلات الطفيفة التي اقتصرت على زيادة عدد أعضائها، ومنحها صلاحية البت في الدفوع المحالة اليها من المحاكم في معرض الطعن بالأحكام بعدم دستورية نص قانوني طبقته المحكمة المطعون بقرارها.

ثانياً: إختصاصات المحكمة:

بحسب الدستور والقانون رقم 7 فإن المحكمة الدستورية تختص برقابة مدى توافق القوانين والمراسيم التشريعية واللوائح والأنظمة مع الدستور، ويحق لرئيس الجمهورية أن يقوم بإحالة مشروع القانون أو مشروع المرسوم التشريعي إلى المحكمة لإبداء الرأي حول مدى توافق مشروع القانون أو مشروع المرسوم التشريعي مع أحكام الدستور، أو مع القوانين النافذة، ولرئيس مجلس الشعب أن يقوم بإحالة مشروع اقتراح القانون إلى المحكمة لإبداء الرأي حول مدى توافقه مع أحكام الدستور، وتبدي المحكمة رأيها مسبباً خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ ورود طلب الرأي ، وخلال سبعة أيام في حال الإستعجال، وتبلغ المحكمة رأيها إلى رئيس مجلس الشعب في الحالتين دون نشر، ولم يبين القانون فيما إذا كان رأيها ملزماً لرئيس الجمهورية أو لرئيس مجلس الشعب أم لا[6].

وتشرف المحكمة على انتخابات رئيس الجمهورية وتنظم الإجراءات الخاصة بذلك، وتنظر في الطعون الخاصة بصحة إنتخاب رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشعب وتبت فيها، وتحاكم رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى، وتبت في الدفوع المحالة من المحاكم في معرض الطعن بالأحكام بعدم دستورية نص قانوني معين طبقته المحكمة المطعون في قرارها، وتفسر نصوص الدستور بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو من رئيس مجلس الشعب أو رئيس مجلس الوزراء، وتختص بالنظر في فقدان رئيس الجمهورية أو أحد أعضاء مجلس الشعب لأحد شروط الترشيح والبت فيه[7]

ثالثاً: أهم العيوب التي تعتري المحكمة الدستورية في سورية:

لن نتطرق فقط إلى الحالة الواقعية للمحكمة والعيوب التي تعتريها، وغالباً ما تعاني منها المحاكم بشكل عام في الغالبية العظمى من الأنظمة الدكتاتورية، إذ أن القضاء ولا سيما الدستوري في تلك الأنظمة ليس سوى واجهة زائفة للحكام، وديكوراً ليس لأعضائها حول أو قوة، بل سنسلط الضوء أيضاً على العيوب القانونية النصِّية التي تشلُّ عمل المحكمة، حتى لو افترضنا إن تلك النصوص واردة في دساتير أكثر الدول ديمقراطية، طبعاً مع أعتقادنا الجازم بإستحالة تحقق هذه الفرضية.

1ــ التعيين والإقالة: 

ثمة نماذج عدة متبعة لتعيين أعضاء المحكمة الدستورية، منها نموذج الأغلبية التشريعية الساحقة، حيث تقوم الهيئة التشريعية بإنتخاب أعضاء المحكمة، وهذا النموذج متبع في ألمانيا وفي تونس بموجب دستور عام 2013، وثمة نموذج المجلس القضائي، حيث يُعهد إلى مجلس القضاء مهمة تعيين أعضاء المحكمة الدستورية كما هو الحال في جنوب أفريقيا، ويوجد النموذج القضائي التنفيذي، إذ تتوزع سلطة تعيين قضاة المحكمة الدستورية على الفرعين القضائي والتنفيذي، كما هو الحال في مصر والعراق، وثمة نموذج الأطراف المتعددة الذي يهدف إلى إشراك مؤسسات متعدّدة في عملية التعيين، بما في ذلك مختلف فروع الحكومة، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني في بعض البلدان، وهذا الإسلوب متبع في إيطاليا وتركيا، وثمة ما يسمى بالنموذج التنفيذي حيث تتفرد السلطة التنفيذية بتعيين أعضاء المحكمة دون إشراك أي سلطة أو جهة أُخرى[8]، كما هو الحال في سورية.

والحقيقة إن عملية تعيين قضاة المحكمة هي عملية محورية هامة في تأسيس أو إصلاح المحاكم الدستورية، وتحدد عملية التعيين القضائي الجهات التي ستقوم بتفسير الدستور، وبيان مدى تطابق القوانين لأحكامه، وبالتالي تمارس المؤسسة /المؤسسات الممنوحة سلطة التعيين تأثيراً كبيراً على عمل المحكمة[9].

والعيب الأساسي الذي يعتري المحكمة الدستورية في سورية هو طريقة تعيين أعضائها، اذ أن هذه الصلاحية مناطة برئيس الجمهورية كما ذكرنا أعلاه، إضافة إلى أن قضاة المحكمة سيؤدون القَسَم أمامه (الرئيس)، وهذا مخالف لأبسط القواعد القانونية التي تقتضي ضرورة الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وذلك لأن رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية في البلاد[10]. وهذا يخالف أيضاً ما تم النص عليه بأن المحكمة الدستورية هي هيئة قضائية "مستقلة".

وبهذا يكون الدستور السوري قد أخذ بأسوأ النماذج المعروفة في تسمية قضاة المحكمة الدستورية وأكثرها دكتاتورية (النموذج التنفيذي)، حيث إن قيام رئيس السلطة التنفيذية في تسمية قضاة المحكمة يعتبر تدخلاً سافراً في شؤون السلطة القضائية، ويسلب المحكمة صلاحياتها في مراقبة دستورية القوانين، خاصة إذا كان رئيس السلطة التنفيذية قد مَنحَ نفسه صلاحيات تشريعية واسعة، وهذا هو الحال في سورية[11]، إذ كيف يمكن تصور أن تقوم المحكمة بإلغاء مرسوم أو قرار صادر عن شخص يملك صلاحية تعيين أعضائها، بداعي عدم دستوريته؟ مع الأخذ بعين الاعتبار بأن مدة ولاية المحكمة أربع سنوات قابلة للتجديد إلى ما لا نهاية[12]. وهذا التجديد غير المقيد سيؤثر سلباً على عمل المحكمة وأدائها، وسيزيد من تَغوُّل السلطة التنفيذية المتمثلة برئيس الجمهورية على السلطة القضائية، لأن قضاة المحكمة سيسعون غالباً إلى كسب رضا ولي نعمتهم (رئيس الجمهورية)، خاصة وأنهم يتمتعون بمزايا مادية ومعنوية لا يتمتع بها غيرهم من القضاة، وسيتولد لديهم شعور بأن إغضاب الرئيس قد يكلفهم منصبهم، أو على الأقل لن تتجدد ولايتهم، وبالتالي ستتحول النصوص المتعلقة بالمحكمة إلى مجرد ديكور يجمِّل منظر الدستور، وهكذا تكون السلطة التنفيذية قد حصنت نفسها من المساءلة الدستورية.

إضافة إلى كل ما ذكر فإن الملاك العددي للمحكمة حدده القانون رقم 7 لعام 2014، ومن السهل جداً إستبدال قانون آخر به من قبل السلطة التنفيذية سيما وإنها تمتلك صلاحيات تشريعية هائلة كما ذكرنا آنفاً، وبذلك يكون بإمكانها تغيير عدد القضاة في المحكمة حسب إرادتها إذا كانت تتمتع بسلطة واسعة في عملية التعيين، ويمكن أن تضيف قضاةً جدد إلى المحكمة، من أجل ضمان قيام الأغلبية بالحكم لصالحها دائماً، أو أن تحد من عدد القضاة في محاولة منها لإجبار قاضٍ لا يحقق مصالحها بالتنازل عن منصبه[13].

    وإذا كان القانون رقم 7 لعام 2014 يحاول ذرَّ الرماد في العيون من خلال إعطاء غالبية الهيئة العامة للمحكمة سلطة إقالة أحد أعضائها[14]، فإن هذه الصلاحية ليست إلا صلاحية شكلية غير مجدية، لأنه وبكل بساطة يمكن لرئيس الجمهورية أن يوحي لباقي أعضاء المحكمة بإقالة العضو غير المرضي عنه، ولن يتردد باقي الأعضاء بإجابة الطلب كي يضمنوا تجديد الولاية القادمة، أو على الأقل كي يضمنوا عدم حرمانهم من حيواتهم أو حرياتهم مستقبلاً، زِدْ على ذلك إنه من غير المتصور في سورية أن يقوم أحد الأعضاء بشق عصا الطاعة على رئيس الجمهورية، لأن الأخير لا يقوم أصلاً إلا بتسمية وتعيين الشخص المرضي عنه من قبل الأفرع الأَمنية الموالية للرئيس، والتي تعيش في سورية خارج القانون بل فوقه.

وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 2012 كان قد صدر المرسوم التشريعي رقم 35 الناظم لعمل المحكمة الدستورية، وكان يمنح رئيس الجمهورية صلاحية تعيين أعضاء المحكمة وإقالتهم وقبول استقالاتهم، لكن هذا القانون أُلغي بموجب المادة 70 من القانون رقم 7 لعام 2014، الذي منح المحكمة بهيئتها العامة صلاحية الإقالة، وأبقى التعيين والبت بطلب الاستقالة بيد رئيس الجمهورية، وهذا يدل على رغبة السلطة التنفيذية ممثلةً برئيس الجمهورية بالتحكم بكل شيء في الدولة، حتى بأدق التفاصيل في عمل السلطة القضائية، التي يفترض أن تكون مستقلة.

2ــ العيوب المتعلقة بصلاحيات المحكمة:

تعتبر رقابة دستورية القوانين والمراسيم من أكثر المهام أهمية، وبالنظر إلى الإجراءات المطلوبة لممارسة هذه المهمة، نجد إنه من الصعب جداً بل من المستحيل أن تقوم المحكمة بذلك، إذ أنها تتولى الرقابة على دستورية القوانين إن إعترض عليه رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس الشعب، وإن تعلق الأمر بالمراسيم التشريعية أو اللوائح والأنظمة، فيفترض أن يقدم الإعتراض من خُمس أعضاء مجلس الشعب[15].

وكل متتبع للشأن العام في سورية يعلم أن القوانين والمراسيم لا تصدر إلا بموافقة ومباركة الفروع الأمنية المسبقة، ولم يحدث في تاريخ سورية، وخاصةً منذ عام 1973، أن تم الإعتراض على مشروع قانون أو مرسوم، لا من قبل رئيس الجمهورية ولا من قبل خُمس أعضاء مجلس الشعب، وبالتالي لم يتم إلغاء قانون أو مرسوم بسبب عدم دستوريته، مع أن الكثير من القوانين والمراسيم التي طبقت والتي لاتزال مطبقة في سورية، غير دستورية وتشكل إنتهاكاً لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية[16].

وما ذكرناه بخصوص عدم قدرة المحكمة على إلغاء نص قانوني أو مرسوم تشريعي بسبب عدم دستوريته، ينطبق أيضاً على الحالة التي قد تنظر فيها المحكمة الدستورية بالدفوع المحالة إليها من المحاكم في معرض الطعن بالأحكام بسبب عدم دستورية نص قانوني أو مرسوم تشريعي أو لائحة[17]، زد على ذلك فإنه يمنع على المحكمة النظر في دستورية القوانين التي يطرحها رئيس الجمهورية على الإستفتاء الشعبي وتنال "موافقة الشعب"[18]. ومعلوم أن الإستفتاءات في سورية تنال بشكل شبه دائم على موافقة "أكثر من 99% من الشعب".

وفيما يتعلق بإختصاص المحكمة بإبداء الرأي حول مدى دستورية مشاريع القوانين والمراسيم التشريعية، بناءً على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب حسب الحال[19]، فهي بمثابة طلب رأي من صاحب القرار لمن لا يملك حق الاختيار، ونرى أن المواد التي ذَكَرتْ هذا الأمر جاءت قاصرة، لأنها لم تبين فيما إذا كان هذا الرأي ملزماً للجهة الطالبة أم لا، ومع عدم وجود النص ومع إتباع القاعدة الفقهية التي تقول "المطلق يجري على إطلاقه"، فإن رأيها الاستشاري يعتبر غير ملزم، وبإمكان الجهة الطالبة إصدار القانون أو المرسوم خلافاً لرأي المحكمة، إن إفترضنا إن الأخيرة خرجت عن المألوف وذكرت أن المشروع غير دستوري، ونعتقد أن الأمر ليس سهواً من المشرع، بل كان مقصوداً بدليل ان رأي المحكمة يبلغ إلى رئيس مجلس الشعب دون نشر!!!.

وبخصوص مهمة المحكمة المتعلقة بالإشراف على إنتخاب رئيس الجمهورية، يبدو إن هذه المهمة أصبحت غير ذي جدوى، إن أخذنا بعين الإعتبار إن المرشح الوحيد للرئاسة في سورية منذ عام 1970 وحتى هذا التاريخ هو واحد على التعاقب لا أكثر، حافظ الأسد وبشار الأسد، مع إستثناء صوري وحيد عام 2014، عندما تم ترشيح كل من ماهر حجار وحسان النوري كمنافسين شكليين لبشار الأسد، وهما شخصين مغمورَين قبل الإنتخابات وبعدها، ناهيك إن ضرورة إثبات المرشح لإقامته الدائمة في سورية لمدة عشر سنوات متصلة عند تقديم طلب الترشيح[20]، وكذلك ضرورة حصول المرشح على تأييد خطي من خمسة وثلاثون عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشعب[21]، كافية لإبعاد كل المعارضين الذين أُجبِروا على ترك سورية عن حلبة المنافسة للرئاسة.

كما إنه من غير المتصور أن تقوم المحكمة بممارسة إختصاصاتها المتعلقة بالنظر في صحة إنتخاب رئيس الجمهورية أو محاكمته في حالة الخيانة العظمى، لأن هذا ليس إلا ضرباً من الخيال، لإن مصير أعضاء المحكمة المِهني مرهون بيد رئيس الجمهورية أولاً، ولأنه يشترط لتحقق هذا الأمر أن يكون طلب إتهامه بقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية، وذلك بناء على اقتراح ثلث أعضاء المجلس على الأقل ثانياً[22]، وهذا الأمر مستحيل التحقق إذا ما أخذنا بعين الإعتبار طريقة "إنتخاب" أعضاء مجلس الشعب السوري، أو بكلمة أدق طريقة تعيينهم[23]، ولعل ما يؤكد صحة هذا الكلام هو النص على أن يتم التصويت من قبلهم بشكل علني.

الخاتمة:

لاشك إن المحكمة الدستورية الفاعلة والحقيقية تتمتع بقيمة رمزية كبيرة، إذ أنها ترمز إلى قطع الصلة مع الماضي الأليم، ولا سيما في الدول التي عانت طويلاً من الحكم الإستبدادي، وتأتي سورية في مقدمتها، حيث أن تأسيس المحكمة بشكل قانوني صحيح، وتمكينها من ممارسة الدور العظيم المسند إليها، يمثل رسالة قوية مفادها أن مبدأ سيادة القانون سيتحقق أخيراً، ولن يكون هناك إفلات من العقاب بعد الآن، وأن مبدأ سمو الدستور لابدَّ أن يترسخ، وكذلك مبدأ فصل السلطات، وسيمتنع على كل سلطة التغول على صلاحيات السلطات الأُخرى، ذلك أن دولة القانون لابد أن تقوم على نوع من التوازن بين السلطات المختلفة داخلها.

وبعد هذا العرض لأهم النصوص القانونية التي تحكم عمل المحكمة الدستورية في سورية، وبعد أن تعرفنا على العيوب التي قد تشل المحكمة، وتجعلها عاجزة عن القيام بالمهام المسندة إليها، نرى بأن هذه المحكمة والحال ماذكر، ليست سوى مؤسسة بلا عمل وواجهة كان لابد منها لإستكمال البنية الشكلية للدستور دون المضمون، إذ أن تخويل رئيس الجمهورية (رئيس السلطة التنفيذية) بالصلاحيات الكاملة لتسمية أعضاء المحكمة، ومن ثم منح الأخيرة صلاحية إلغاء مرسوم أو نص قانوني يصدر عنه، يجعل هذه الصلاحية حبراً على ورق ونصاً بلا روح، وكذلك الحال بالنسبة لصلاحيتها بمحاكمة رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى.

ونرى أن الحل لتلافي هذه الإشكالية يكمن في وضع دستور جديد للبلاد، يقطع العلاقة مع نظام القمع والإستبداد، ويكرس مفاهيم حقوق الإنسان، ويحد من صلاحيات رئيس السلطة التنفيذية بشكل عام، وتجاه المحكمة الدستورية بشكل خاص، ويسحب صلاحية تعيين أعضاء المحكمة الدستورية منه، ويسندها الى السلطتين التشريعية والقضائية معاً، وذلك بأن يقوم مجلس القضاء الأعلى بترشيح ضعف أو ضعفي العدد المطلوب لشغل هذا المنصب[24]، مع الأخذ بعين الإعتبار ضرورة توفر شروط معينة في المرشحِين، كعدد سنوات الخدمة والكفاءة والنزاهة والحيادية، ثم يتم التصويت السري عليهم من قبل أعضاء مجلس الشعب (البرلمان)، ويُعتبر الأعضاء الحاصلون على أغلب الأصوات هم الفائزون بهذا المنصب، ويشترط أن لا يُشغل هذا المنصب من قبل الشخص الواحد لأكثر من ولايتين متتاليتين.

وهذا الأمر يتطلب حكماً تعديل القانون رقم 7 لعام 2014، بحيث يتضمن التعديل بالإضافة إلى طريقة تعيين القضاة، توسيع صلاحيات المحكمة خاصة ما يتعلق منها بمحاكمة رئيس الجمهورية، إذ لابد أن يكون لها الحق بمحاكمته ليس فقط بحالة الخيانة العظمى، هذه الحالة التي تحتمل أكثر من تأويل وتفسير، بل لتشمل حالة إرتكابه لأي جرم جنائي، ولاسيما جرائم القتل العمد والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب، هذا بعد أن يتم إدراج هذه الجرائم وأركانها ضمن القوانين السورية الجديدة، كما ولابد من التخفيف من الإجراءات المشددة المتعلقة بتحريك الدعوى العامة بحقه، والتي قد تكون مستحيلة التحقيق في سورية، إن أخذنا بعين الإعتبار إن طلب الاتهام لابد أن يصدر بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشعب، وبالتصويت العلني بناء على إقتراح ثلث أعضاء المجلس، وذلك بأن يكون طلب الإتهام مثلاً من قبل ربع أعضاء المجلس وبموافقة الأغلبية المطلقة كما كان الحال في دستور1950 [25].

دون أن ننسى ضرورة إلغاء القوانين والمحاكم الإستثنائية في سورية، بشكل يحقق العدالة وسيادة القانون في سورية الجديدة، سورية دولة المواطنة والحريات، دولة القانون والمؤسسات، ويُمحي من ذاكرة السوريين طيف الحكم الشمولي الذي راودهم عقوداً من الزمن


مراجع البحث: 

  1. المحاكم الدستورية بعد الربيع العربي من منشورات المؤسسة الدولية للديمقراطية والإنتخابات لعام 2014. الرقم المعياري الدولي للكتاب: 7-57-87729-91-9.

2ــ دستور سورية لعام 2012.

3ــ دستور سورية لعام 1950.

3ــ القانون رقم 7 لعام 2014 الناظم لعمل المحكمة الدستورية في سورية.

[1] المادة 149 من الدستور السوري لعام 2012.

[2] المادة 3 من القانون رقم 7 لعام 2014.

[3] بحسب المادة 7 من القانون رقم 7 عليهم تأدية اليمين وفق الصيغة التالية: " أقسم بالله العظيم أن أحترم دستور البلاد وقوانينها وأن أقوم بواجبي بتجرد وأمانة".

[4] المادة 54 من القانون رقم 7.

[5] المواد 3 و10 من القانون 7.

[6] المواد 16 و 17 من القانون رقم 7.

[7] المواد 146 و147 من الدستور والمادة 11 من القانون رقم 7.

[8] لمزيد من التفصيل راجع كتاب المحاكم الدستورية بعد الربيع العربي من منشورات المؤسسة الدولية للديمقراطية والإنتخابات لعام 2014. الرقم المعياري الدولي للكتاب: 7-57-87729-91-9.

[9] 1-       المحاكم الدستورية بعد الربيع العربي ص 37. المرجع السابق.

[10] المادتين 83 و121 من الدستور.

[11] المواد 101و108و111و113و114 من الدستور.

[12] المادة 143 من الدستور.

[13] المحاكم الدستورية بعد الربيع العربي صفحة 32 ، مرجع سبق ذكره.

[14] المادتين 9و53 من القانون رقم 7.

[15] المواد 12و13و14 من القانون رقم7.

[16] ونذكر بعض هذه القوانين على سبيل المثال لا الحصر: قانون الطوارئ رقم 51 لعام 1963، قانون إحداث إدارة أمن الدولة رقم 14 لعام 1969، (الذي منح الحصانة لعناصر الأمن ضد الملاحقة القضائية) قانون مناهضة أهداف الثورة رقم 6 لعام 1965، المرسوم 109 لعام 1968 الخاص بإحداث محاكم الميدان العسكرية، قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012، قانون إحداث محكمة مكافحة الإرهاب رقم 22 لعام 2012، وبموجبها تم إعفاء محاكم الميدان ومحكمة مكافحة الإرهاب من التقيد بالأصول والإجراءات القانونية أثناء المحاكمة!!!!.

[17] المادة 147 من الدستور والمادة 38 من القانون7.

[18] المادة 67 من القانون7.

[19] انظر المواد 16و17 من القانون رقم7.

[20] المادة 84 من الدستور والمادة 18 من القانون7.

[21] المادة 22 من القانون7.

[22] المادة 117 من الدستور والمادة 36 من القانون7. 

[23] لمزيد من التفصيل راجع المادة 19 ومابعدها من قانون الانتخابات العامة رقم 5 لعام 2014.

[24] تجدر الاشارة إلى أن دستور سورية لعام 1950 كان ينص في المادة 116 على أنه " تؤلف المحكمة العليا من سبعة أعضاء ينتخبهم مجلس النواب من قائمة تحوي أربعة عشر اسماً. ينتقي هذه القائمة رئيس الجمهورية ممن توافرت فيهم المؤهلات الكافية للقيام بعبئ هذا المنصب، على أن يكونوا من حملة الشهادات العليا وأتموا الأربعين من عمرهم". وارتأينا ضرورة منح صلاحية الترشيح الى مجلس القضاء الأعلى بدلا من رئيس الجمهورية كون المجلس هو الأكثر قدرة على تحديد القضاة المؤهلين لهذه الغاية أولاً، ولأن السوريين يحتفظون بذكرى جداً سيئة لرئيس الجمهورية ثانياً.

[25] المادة 86 من دستور عام 1950.


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (1)
Sort by : Date | Likes

بحث رائع ومتكامل وفي وقته المناسب  اذ من الاهمية بمكان ايلاء مرفق العدل الاهمية  في المرحلة الانتقالية او مرحلة مابعد الثورة على انني ارى ان من المفيد العمل على ان يكون هناك مرجعية قانونية  متكاملة وهو ماغفل عنه المتصدرين لمشهد الثورة السياسي . شكرا للاستاذ رياض علي وشكرا لاهتمام المتدى بحسن انتقاء مواضيعه