2315 عدد المشاهدات visibility
comment1 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ٣ أبريل، ٢٠١٨

القضاء في سوريا؛ واقع مضطرب, ومستقبل مجهول,  الرقة نموذجاً

                                                                                                                                                           القاضي جمعة الدبيس العنزي

تمهيد: لدينا ثقة راسخة بان صوت البنادق سيصمت يوماً, وإن بعد حين, وسيعلو صوت الحق الذي هو ناموس من نواميس الكون, فالحق قديم, والعدالة مطلب أزلي للشعوب الحرة, ولو بحثنا عن الكوامن العميقة لاشتعال الثورة السورية سنجد أن السبب هو السعي إلى قيام (دولة القانون) التي تحمل في مضمونها الحرية والكرامة, وهو مطلب فطري جُبل عليه البشر الذين ولدوا أحراراً, وإن كان الموضوع هنا ذو شجون؛ فتناول الجانب المتعلق بالقضاء أمر متشعب, ومعقد, وأكبر من أن نشخّصه ونستقرئ الواقع ونضع الحلول في مقالة أو مقالتين, وعلى أثر من سبقنا سنعمل معاً على وضع لبنة في هذا الجدار الذي قد يكون حصناً منيعاً للبلاد حال اكتماله, ويبعث الأمل في النفوس للوصول إلى نتيجة مرضية تبلسم جراح شعبنا المكلوم الذي عانى طويلاً بسبب (غياب العدالة)         

استقلال القضاء: بداية يجب أن نؤكد على مبدأ جوهري هنا وهو مبدأ (استقلال القضاء) الذي تُجمع الإعلانات والمواثيق الدولية على تأكيده {لكل إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر في قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفاً وعلنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه} المادة /10/ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.  

العدالة الانتقالية: كثير من رجال القانون, والساسة, والناشطين في مجال حقوق الإنسان, يتحدثون عن ضرورو (العدالة الانتقالية) في الحالة السورية, ومن المهم هنا أن نشير إلى أن العدالة الانتقالية هي مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان, وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر, وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات.      

 والعدالة الانتقالية متجذرة في المساءلة وجبر ضرر الضحايا والاعتراف بكرامتهم كمواطنين وكبشر. تجاهل الانتهاكات الواسعة قد يكون مَهْرَبا سهلا ولكنه يدمر القيم التي يُبنى عليها أي مجتمع لائق. تسألُ العدالة الانتقالية أصعب الأسئلة التي يٌمكن تصورها حول القانون والسياسة عن طريق وضع الضحايا وكرامتهم في المقدمة، وتشير إلى الطريق قُدماً لتجديد الالتزام بجعل المواطنين العاديين على يقين بالأمان في بلدانهم (في مأمن من تجاوزات سلطاتهم وتحت حماية فعالة من أي انتهاكات من قبل الآخرين).       الفظائع الجماعية والانتهاكات المنهجية تدمر المجتمعات وغالباً ما يترك إرثهم أحوال البلاد هشة: قد تكون المؤسسات السياسية والقانونية مثل البرلمان والقضاء والشرطة والنيابة العامة ضعيفة وغير مستقرة ومسيسة وتعاني من نقص الموارد, وقد تتلف الانتهاكات بشدة أي ثقة تواجدت في الدولة لضمان حقوق وسلامة المواطنين.   وكثيراً ما تم تمزيق المجتمعات إرباً إرباً في العملية وتضعف المنظمات الاجتماعية أو السياسية بشكل كبير.  والعثور على استجابة مشروعة للانتهاكات واسعة النطاق في ظل هذه القيود الحقيقية وهشاشة المجتمع هو ما يُعرف بالعدالة الانتقالية ويميزها عن تعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها بشكل عام.        

هناك سمات ثابتة للعدالة الانتقالية: الاعتراف بكرامة الأفراد؛ والإنصاف والاعتراف بالانتهاكات؛ وهدف منع وقوعها مرة أخرى.          

قد تشتمل الأهداف التكاملية على:       

1) إنشاء مؤسسات خاضعة للمساءلة واستعادة الثقة في تلك المؤسسات     

2) جعل الوصول إلى العدالة ممكناً للفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع في أعقاب الانتهاكات.  

3) ضمان أن النساء والمجموعات المهمشة تلعب دورا فعالاً في السعي لتحقيق مجتمع عادل.        

4) احترام سيادة القانون.       

5) تسهيل عمليات السلام، وتعزيز حل دائم للصراعات.                                   

6) إقامة أساس لمعالجة الأسباب الكامنة وراء الصراع والتهميش. 

7) دفع قضية المصالحة.    

 سنحاول هنا أن نوجز ونركز على المجال القضائي في المناطق المعنية لأهميته البالغة في المرحلة الراهنة.

أولاً- الوضع القضائي في المناطق المحررة (الرقة نموذجاً):  في 4 آذار 2013 وكأول مدينة سورية تحررت مدينة الرقة بالكامل من نظام الأسد ، وكان للمحامين الدور الأكبر في تشكيل المجالس المحلية لإدارة المحافظة، وعيّن المحامي عبد الله الخليل (مفقود) رئيسًا لمجلس محافظة الرقة الحرة، وكان من أبرز من قاد المظاهرات خلال الحراك السلمي.       

وتم تأسيس المحكمة الشرعية بالرقة بعد تحرير المدينة مباشرة، وشاركت في تأسيسها كل الفصائل العسكرية الموجودة في المدينة، بمن فيهم جبهة النصرة وأحرار الشام والجيش الحر، عدا تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي أسس محكمة خاصة به سمّاها “المحكمة الإسلامية”.      

واعتمدت المحكمة الشرعية القانون العربي الموحد كمرجعية للقضاء، وكان للمحامين دور محدود فيها، إذ عمل قلة منهم كقضاة في الدعاوى المدنية، وبعد سيطرة التنظيم الإرهابي على المدينة بالكامل في نهاية عام 2013 وطرد باقي الكتائب منها، في يناير كانون أول من عام 2014 تفرد التنظيم الرهيب بالرقة, وبتاريخ 29 يونيو حزيران 2014 أعلنها ً عاصمة (للخلافة الإسلامية)        حُلّت الهيئة الشرعية واستمرت المحكمة الإسلامية بالرقة, وكانت أول محكمة (محكمة المنصورة) وقاضيها (أبو علي الشرعي) المعروف بقسوة أحكامه وتباهيه بأنه قتل بيده مئات الأشخاص, ثم تشكلت المحكمة الشرعية من عدة قضاة, قضاة معاملات (بما فيها الجرائم) وقضاة عقارات وأحوال شخصية, وكان قاضي القضاة مصرياً وغالبية القضاة من تونس والعراق وبلدان الخليج العربي, ولطالما انقلب هؤلاء على بعضهم وقاموا بتقطيع رؤوس البعض منهم بحجة الردة.      تم الاحتفاظ بجميع الدعاوى الموجودة في محاكم الرقة بعد تحرير المدينة، وأغلب الدعاوى غير المنتهية تمت إحالتها إلى المحاكم الشرعية، خصوصًا المدني منها، أما فيما يخص الدعاوى الجزائية فلم تتم متابعتها بسبب فرار أغلب المتهمين من المحافظة إلى مناطق سيطرة النظام في المحافظات الأخرى. إلا أن النظام السوري قصف المحكمة والأرشيف القضائي فاحترق الكثير من الملفات، وما تبقى منها استولى عليه التنظيم الإرهابي.

 ثانياً- الوضع الراهن: كما تعلمون؛ في سورية لم يصمت دوي المدافع حتى الآن, ولا نبالغ إن قلنا بأن الكلمة العليا اليوم هي لمن يحمل البندقية.      بتاريخ 17 أكتوبر تشرين أول من عام 2017 أعلنت قوات (سورية الديمقراطية) المدعومة أمريكاً أن الرقة أصبحت خالية تماماً من تنظيم داعش, ومنذ صيف 2012 ومع تفرد الإدارة الذتية الديمقراطية (PYD) بالسيطرة على مناطق في شمال وشمال شرق سورية, أقامت محاكم إدارية تابعة للحزب, وكان القضاة ينتخبون من مجالس المدينة ولا يشترط أن يكونوا حقوقيين, ويبدأ حل أية مشكلة من (دار الشعب) أما الشؤون المتعلقة بالنساء فتبدأ من (دار المرأة)   في القضايا المدينة تطبق القوانين التي يسنها المجلس القضائي بالإدارة الذاتية الديمقراطية وفي حال النقص يطبق القانون السوري, وفي القضايا الجنائية تطبق قواعد العدالة الاجتماعية, والمحاكم على درجتين يكون حكم محكمة التمييز فيها نهائي.   بالإمكان اختصار هيكيلية الجسم القضائي في مناطق الإدارة الذاتية – الرقة جزء منها – كالتالي: لجان الصلح, لجان الادعاء والتحقيق, دار المرأة, ديوان العدالة الاجتماعية, البلاتفورم, المحكمة الجمركية, هيئة التمييز, دوائر التنفيذ, المحكمة الدستورية العليا, محكمة الدفاع عن الشعب, مجلس العدالة الاجتماعية.  تحت مظلة (ميثاق العقد الاجتماعي) صدرت العديد من القوانين التي تتناول مختلف جوانب الحياة, وقد نصت المادة /90/ منه على أن يعمل بالقوانين الوضعية السورية الحالية بما لا يتعارض مع أحكام ومواد هذا العقد.    

ويرى مراقبون أنه لا يمكن تصنيف النظام القضائي هنا تصنيف محدد, فهو خليط بين الأنظمة القضائية الحديثة وأنظمة مستحدثة خاصة, تعطي زمام المبادرة للجان غير متخصصة من عامة الشعب, المهم فيها أن تشتمل على الجنسين, الرجال والنساء, ويرى مناصروا هذا التوجه أن فلسفة العدالة الاجتماعية في روج آفا كردستان تنطلق اساساً من من تفعيل دور المجتمع لحل مشاكلة وإدارة نفسه بنفسه. في المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد في الرقة تم افتتاح عدة محاكم بمناطق الدبسي والسبخة ومعدان بريف الرقة, بتوصيف محكمة صلح منطقة, أي أن القاضي يتولي كافة الاختصاصات, وهناك كثير من قضاة الرقة المنتسبين للنظام يقيمون في مدن سيطرته كدمشق وطرطوس وحماه.                         

لا يوجد في البلاد اليوم من يمتلك الشرعية لإصدار قانون جديد واعتماده, ومن يصدر أحكاماً جديدة غير معمول بها سابقاً, في ظل هذه الظروف التي تعيشها البلاد من عدم استقرار وعدم وجود برلمان منتخب أو أركان دولة, سيكون عرضة للمساءلة القانونية, وعليه وفي ظل ذلك علينا تناول نقطتين مهمتين, الهيئات القضائية, والقانون الواجب التطبيق.    

ثالثاً- الهيئات القضائية:    نرى أن يتم تشكيل الجسم القضائي في المناطق المعنية من قبل رجال القانون (قضاة ومحامو دولة ومحامون) ممن لديهم استعداد للعمل مع المعارضة المعتدلة التي تمثل تطلعات الشعب السوري والتحالف الدولي, ويترك لهم أمر تشكيل هيكل الجسم القضائي بإشراف ورعاية الأطراف الفاعلة, وأن يتم مراعاة الوضع الميداني والتوزع الجغرافي, وهنا يبدو أن فكرة أن يتم تسمية قاض – أو أكثر – بكل منطقة يقوم بكافة مهام القضاء مجدية في المرحلة الأولى.       


ولا شك بأن عمل أي سلطة قضائية يبقى غير ذي جدوى بدون وجود أدوات تنفيذية تساعدها في عملها, واحترام الأحكام الصادرة عنها احتراماً كاملاً من قبل  الجميع, وذراع تنفيذي يفرض تنفيذ هذه الأحكام, والحديث هنا عن المساعدين القضائيين, والموظفين, والشرطة القضائية, أو من يعمل عملها.        

رابعاً- القانون الواجب التظبيق:     في العصر الحديث ومنذ نشوء المحاكم, انتهجت سورية نهج (النظام القانوني اللاتيني) وهذا النظام القانوني يطبق في الدول التي تسير على نمط النظام القانوني السائد في فرنسا أساساً، ولاسيما من حيث تأثرها بالتقنين المدني الذي صدر في عهد نابليون بونابرت سنة 1804م، والذي يعدّ أول تقنين ظهر في العصر الحديث، ويتميز هذا النظام القانوني بخصائص معينة هي: التقنين والتأثر بالقانون الروماني والازدواج القضائي, خلافاً (للنظام القانوني الأنكلوساكسوني) الذي يتميّز بالقدم والاستمرارية, وعدم التقنين, والطابع القضائي, ويطبق أساساً في إنكلترا، ثم امتد ليطبق في الدول التي تأثرت بنظمها مثل الولايات المتحدة الأمريكية.      وعلى ذلك نرى أنه من الأجدى الاستمرار على نفس النهج لجهة اعتماد النظام اللاتيني لرسوخه وديمومته واعتياد المجتمع والعاملين بالقانون عليه.   في الفترة التي تلت بداية الأحداث في سورية عام 2011 وخروج مناطق عن سيطرة النظام السوري, أخذت المحاكم في المناطق السورية المحررة تطبق ثلاث مرجعيات قضائية تقسم البلد قانونيًا، ما يدفع حقوقيون إلى المطالبة بتوحيدها جميعًا تحت ظل القانون السوري، وإلا سيكون هذا التشرذم ممهدًا للتقسيم السياسي.              

في الحالة السورية الراهنة وفي ظل الحرب لا توجد جهة سياسية تتوافق عليها جميع الأطراف لتمتلك الشرعية بإقرار القانون المطبق في البلاد.                              

 لهذا يرى تيار من الحقوقيون أن القانون السوري هو الوحيد الذي حاز على شرعية مسبقة من الدولة السورية ومن الشعب السوري، وقيمة القانون تكمن بالعلم به بين الناس ونشره, عليه يجب الإجماع حاليًا على تطبيقه للحفاظ على وحدة الأراضي السورية، المهددة بالتقسيم، والتي بحال اعتمدت على مرجعيات قانونية مختلفة سيؤدي ذلك إلى تقسيمها قانونيًا، كخطوة تسبق التقسيم السياسي”.  

لكن، ووفق رأي هؤلاء، يظهر على الساحة السورية اليوم من يرفض تطبيق القانون معتبرًا إياه “صنيعة النظام”، بالرغم من أنه وضع بين عامي 1945 و 1951، أي قبل مجيء حزب البعث إلى الحكم. طرفًا آخر يرى في القانون الحالي مخالفته للشريعة الإسلامية، وخاصة فيما يتعلق بتطبيق الحدود الواردة في قانون العقوبات، مع العلم أن قانون العقوبات لا يشكل إلا 2% من كتلة التشريعات السورية.  

الرأي الثالث يرى في تطبيق لقانون العربي الموحد الذي انتجته جامعة الدول العربية عام 1996  كحل وسط بين الرأيين السابقين, وهو قانون عصري مبوب ومقسم على مواد شرعية وقانوينة تمت صياغتها من قبل لجان متخصصة بإشراف وزراء العدل العرب.       

وفي النتيجة نرى أن السلطة القضائية التي يتم تأسيسها هي الأولى, والأدرى بالقانون واجب التطبيق بما يتناسب مع المرحلة وواقع الحال. 

خاتمـــة: لا شك بأن حال البلاد الراهنة تنذر بمستقبل مجهول, ومن نافلة القول أن الوضع السياسي النهائي الذي لا يمكن التكهن به, سيسطع بأثره على مرفق القضاء والعدالة عموماً في سورية, هي معطيات, وآراء, ورؤى, وضعناها هنا بأمل أن تثمر تعاوناً بين الأطراف المعنية تصل بالبلاد إلى أن تكون (دولة قانون) تعيد للإنسان إنسانيته, دولة يتساوى فيها الجميع دون النظر إلى عرق, أو دين, أو لون, أو طائفة, أو مذهب, دولة يقتص فيها من الجاني بقوة القانون لا بقوة السلاح, لينال جزاؤه العادل, وتقر عين الضحية, ويتحول المجتمع من مجتمع متناحر متباغض, إلى مجتمع متحاب, منسجم, متآلف, كما كان دوماً, لعلها خطوة على الدرب الطويل.

القضاء في سوريا
واقع مضطرب
ومستقبل مجهول

ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (1)
Sort by : Date | Likes


آمل من الزملاء المتخصصين  إبداء ملاحظاتم حول المقال... هنا أو عبر الإيميل, والغاية المصلحة العامة.