1608 عدد المشاهدات visibility
comment4 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ٧ مارس، ٢٠١٨

الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسورية (دراسة نقدية)


القاضي رياض علي 


ملخص تنفيذي:

ــ تم إنشاء الآلية الدولية المحايدة المستقلة بموجب القرار رقم 71/248 تاريخ 21/12/2016، للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة وفق تصنيف القانون الدولي والمرتكبة في سورية منذ آذار 2011.

ــ إنشاء الآلية يدخل ضمن إختصاص الجمعية العامة للأمم المتحدة ويتوافق مع الميثاق والنظام الداخلي للجمعية.

ــ تقوم الآلية بالإضافة الى جمع الأدلة وحفظها بالبحث في العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة الجرمية وكذلك تبحث في القصد الجرمي.

ــ عمل الآلية مكمِّل لعمل لجنة التحقيق الدولية المستقلة المحدثة بتاريخ 22 آب 2011 بقرار من مجلس حقوق الانسان، وتعتبر اللجنة أحد مصادر الآلية لجمع المعلومات.

ــ الآلية ليست محكمة ولا تتمتع بصلاحيات الإدعاء أو التحقيق، كونها لا تملك حق رفع الدعاوى وينحصر دورها في جمع الادلة وحفظها وتقديمها للمحاكم التي قد ينعقد لها الاختصاص مستقبلاً.

ــ لن تتشارك الآلية المعلومات التي بحوزتها مع الأنظمة القضائية التي تسمح بالمحاكمات الغيابية أو التي تطبق عقوبة الاعدام، وهذا يعني قطعاً إنها لن تشارك النظام القضائي السوري بتلك المعلومات.

ــ طلبت الجمعية العامة من الدول ومنظمات المجتمع المدني التعاون مع الآلية وتزويدها بالمعلومات والأدلة التي بحوزتها، وقد جاء هذا الطلب بصيغة التمني ولم يتضمن أي نوع من الإلزام.

ــ وفق القرار 71/248 والتقرير الصادر عن الأمين العام يعتمد تمويل الآلية على التبرعات والهبات، وليس من ميزانية الأمم المتحدة، وهذا قد يتسبب في عدم مباشرة الآلية لعملها، وقد ينسف حياديتها.

ــ من الواضح إن الآلية لم تتمكن من تحقيق العدالة المطلوبة في سورية بسبب الكثير من العيوب التي تعتري القرار المنشئ لها، وكذلك في تقرير الأمين العام الموضِّح لعمل الآلية.

مقدمة:

أكثر من مرة تم عرض مشروع قرار أممي يتضمن ضرورة إحالة الملف السوري الى المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أمامها، إلا ان مصير تلك المشاريع كان الفشل بسبب حق النقض (الفيتو) المزدوج الروسي الصيني، ومع استمرار الحرب الدائرة في سورية لسنوات عدة، وما تمخض عنها من قتل وتشريد وتدمير للحجر والبشر والشجر وارتكاب انتهاكات مروعة للقانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان، لا يمكن وصفها إلا بجرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية حسب الحال، كان لا بد من التفكير خارج الصندوق وتجاوز مجلس الأمن الدولي والذهاب الى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإيجاد الوسيلة القادرة على إرسال رسالة إلى كل من ارتكب تلك الجرائم أو شارك بها، بأن المجتمع الدولي ليس غافلاً عنهم، وأنه يسعى جاهداً لسوقهم للعدالة ومحاسبتهم ولو بعد حين.

وبناء على ذلك تم اتخاذ القرار من قبل الجمعية العامة بانشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (والتي سيشار إليها لاحقاً في هذه الورقة بالآلية)، للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة وفق تصنيف القانون الدولي والمرتكبة في سورية منذ آذار 2011.

ولكن هل حقق هذا القرار حلم الملايين بالوصول إلى العدالة المبتغاة في سورية التي تئن تحت وطأة الحرب المجنونة، أم أنه سيبقى كغيره من القرارات حبيس الأدراج المغلقة في الأمم المتحدة، وإن رأى النور وقامت الآلية بعملها يوماً ما، فهل سيساعد هذا العمل في تقديم الجناة إلى العدالة الدولية، جبراً لخواطر الضحايا واحتراماً لدمائهم وحرياتهم وكراماتهم التي خسروها، أم إن نتائج أعمالها ستكون رهينة بمصالح الدول وأجنداتها؟  ستحاول هذه الورقة البحثية الإجابة على بعض هذه الأسئلة وتسليط الضوء على بعضها الآخر.

تشكيل الآلية ومهامها:

بتاريخ 21/12/2016 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 71/248 القاضي بانشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، بناء على مشروع قرار تقدمت به كل من قطر وليخشتنشتاين، فيما شاركت أكثر من خمسين دولة في صياغته، من بينها عربيًّا، السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت واليمن، وأيّدت القرار 105 دول، في حين عارضته 15، وامتنعت عن التصويت 52 دولة[1]. وطالب القرار المذكور الأمين العام للأمم المتحدة بأن يضع في غضون 20 يوم عمل من تاريخ اتخاذ القرار، اختصاصات الآلية مستعيناً في ذلك بمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأن يتخذ دون إبطاء مايلزم من خطوات وتدابير وترتيبات للإسراع بإنشاء وتمام تفعيل الآلية، وطالبته بأن يقدم تقريراً عن تنفيذ القرار في غضون 45 يوما من تاريخ اتخاذه[2].

وقد أسند القرار المذكور إلى الآلية مهمة استقاء وتجميع وحفظ وتحليل الأدلة حول انتهاكات القانون الدولي الإنساني وانتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان، وإعداد ملفات لتيسير وتسريع السير في إجراءات جنائية نزيهة ومستقلة، وفقاً لمعايير القانون الدولي، في المحاكم الوطنية أو الاقليمية أو الدولية التي لها، أو قد ينعقد لها مستقبلاً، الإختصاص بهذه الجرائم وفقاً للقانون الدولي.

وقد أوضح السيد الأمين العام للأمم المتحدة بتقريره المؤرخ في  19/1/2017 مهام وصلاحيات الآلية بشكل مفصل، حيث ذكر بأن الآلية ستقوم في سبيل تحقيق مهامها بالاستماع إلى الشهود وإجراء المقابلات، كما وستسعى لإثبات الصلة القائمة بين الأدلة والأشخاص المسؤولين عن الجرائم المدعى بها، مع التركيز بوجه خاص على الأدلة التي تثبت تلك الصلة، وستركز إهتمامها على الأدلة المتعلقة بالقصد الجنائي وبأنماط معينة من المسؤولية الجنائية، مع إجراء تحليل منهجي للأدلة، وتحديد الثغرات التي قد تعتري تلك الأدلة والوثائق، وكل ذلك من أجل زيادة درجة مقبولية تلك الأدلة في الإجراءات القانونية في المستقبل، وستُعِدْ الآلية ملفات تركِّز فيها على السلوك الإجرامي للأشخاص المتهمين دون تمييز بينهم بسبب إنتمائهم أو صفتهم الرسمية، كما ستتخذ الآلية الاجراءات المناسبة لضمان احترام السرية والخصوصية للضحايا وظروفهم الشخصية، وبأن الآلية ستعتمد الأساليب الكفيلة بحماية الشهود والضحايا، وتمكين الضحايا الضعفاء من الحصول على الدعم النفسي والطبي والإجتماعي.

ويلاحظ بأن الأمين العام ركَّزَ على الإجراءات والأساليب التي ستمكن الآلية من تحقيق مهامها المحددة في قرار إنشائها، ولم يضِفْ إلى تلك المهام سوى ماتعلق منها بحماية الشهود والضحايا وتزويدهم بالخدمات الصحية والإجتماعية اللازمة.


الطبيعة القانونية للآلية: 

شهدت الجلسة التي تم فيها تبني القرار رقم 71/248 نقاشات حادة حول مدى قانونية التصويت على مشروع القرار، اذ وصف سفير سورية الدائم لدى الأمم المتحدة مشروع القرار بأنه "غير قانوني" كما دعا ممثل روسيا الدول الأعضاء إلى التصويت ضد المشروع قائلًا "إن الجمعية العامة إن اعتمدت هذا القرار، فذلك سيعني أنها تتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى"، ووصف كل من مندوبي الجزائر وجنوب أفريقيا هذه الآلية بأنها "غير قانونية"[3].

وبالرجوع الى ميثاق الأمم المتحدة الذي ينظم عمل فروع الهيئة ومنها الجمعية العامة، نجد بأنه منح الجمعية الحق بمناقشة أي مسألة أو أمر يدخل في نطاق هذا الميثاق (المادة 10 من الميثاق)، كما ويحق للجمعية أن تنشئ من الفروع الثانوية ما تراه ضرورياً للقيام بوظائفها (المادة 22 من الميثاق)، ناهيك عن إن المادة 96 من النظام الداخلي للجمعية العامة خوَّلتها بإنشاء اللجان التي تراها ضرورية للقيام بمهامها[4]، زد على ذلك فان الجمعية العامة قد أنشأت عبر سنوات عملها عشرات بل مئات اللجان الدائمة والمؤقتة، ولا تتسع هذه الورقة البحثية لذكرها، وعليه فإن انشاء الآلية هو عمل قانوني مشروع وهو من صلب إختصاصات الجمعية العامة.

كما إن تبني هذا القرار لايشكل بأي حال من الأحوال تدخلاً في الشأن الداخلي السوري، وذلك لأن سورية هي من الدول الأعضاء بل والمؤسسة لهيئة الأمم المتحدة وميثاقها، لذلك فهي تلتزم قانوناً بكل ما يصدر عن هذه الهيئة من قرارات وإجراءات بناء على أحكام هذا الميثاق والذي يعتبر قانونا عقد أو اتفاق، ومعلوم فقهاً وقانوناً إن "مقيد نفسه طليق"، كما إن ديباجة الميثاق والتي تتضمن الأسباب الموجبة لإنشاء هيئة الأمم المتحدة وتعتبر جزء لا يتجزأ منه، نصت على إن شعوب الأمم المتحدة قد آلت على أنفسها أن تنقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب، وأكدت على إيمانها بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره، بما يحقق العدالة واحترام الإلتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، كما إن قرار مجمع القانون الدولي لعام 1954 أكد على أن "المسائل التي تعد من صميم السلطان الداخلي للدول هي تلك الأنشطة التي تمارسها الدولة، والتي يعد فيها إختصاص الدولة غير مقيد بالقانون الدولي" لكل ماذكر فإن التدخل الدولي لأسباب إنسانية له أنصاره الذين يدافعون عنه ليس لغايته، بل يرونها وسيلة لحماية الإنسان، وبرأيهم لم تعد علاقة الدولة مع مواطنيها أمراً داخلياً، خاصة إذا ما أدى سلوك الدولة نحو مواطنيها إلى كوارث إنسانية تمتد بآثارها إلى دول أُخرى، ولهذا يبرر أنصار التدخل الدولي لأسباب انسانية مشروعية التدخل[5]. وليس بخافٍ على أحد الكوارث والويلات التي نتجت عن الحرب الدائرة في سورية وآثارها السلبية على مواطنيها وعلى دول الجوار وغيرها.

علاقة الآلية مع لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسورية:

أنشئتْ لجنة التحقيق الدولية المستقلة بقرار من مجلس حقوق الإنسان بتاريخ 22 آب 2011، وقد أصدرت اللجنة منذ تأسيها أكثر من عشرين تقريرا مفصلاً يتعلق بالجرائم والانتهاكات التي وقعت في سورية، معتمدة على كمية كبيرة من الأدلة والبراهين[6]، وإن كانت اللجنة تجمع المعلومات والأدلة بشكل مباشر، فإن الآلية تقوم بجمع المعلومات من جهات أخرى ولاسيما اللجنة، وتقوم أيضاً بإعداد الملفات لتقديمها للمحاكم التي سينعقد لها الإختصاص مستقبلاً، فعمل الآلية مكمِّل لعمل اللجنة[7]، كما إن الآلية مطلوب منها التحقيق في مدى وجود الصلة بين الأدلة الدالة على الجريمة والأشخاص المسؤولين عنها، مع التركيز بوجه خاص على الأدلة المثبِتة لوجود الصلة، والأدلة المتعلقة بالقصد الجنائي وبأنماط معينة من المسؤولية الجنائية[8]، أي البحث في العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة الجرمية، وهذا الأمر ليس متاحاً للجنة التحقيق.


أهم العيوب التي تعتري الآلية:

على الرغم من الأمل الذي بثه انشاء الآلية في نفوس السوريين الذين عانوا من القتل والتهجير والدمار منذ آذار 2011، إلا أنه تبين لاحقاً بأنها لم تكن بمستوى طموحاتهم، بسبب العيوب التي وردت في القرار المنشئ لها، وفي التقرير الذي تقدم به الأمين العام للأمم المتحدة والذي وضَّحَ فيه مهام الآلية وخطة عملها، وسنحاول الوقوف على هذه العيوب في الأسطر التالية:

1ــ الآلية ليست محكمة ولا تتمتع بصلاحيات الإدعاء أو التحقيق:

من الواضح من تسميتها بأنها ليست سوى جهاز مساعد للتحقيق والملاحقة القضائية، وبالتالي فهي لا تملك الحق في محاكمة الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الأشد خطورة وفق تصنيف القانون الدولي والمرتكبة في سورية منذ آذار 2011، بل تنحصر مهمتها في جمع الأدلة وحفظها وتحليلها وإعداد الملفات القانونية كي تقدم لاحقا الى المحاكم الوطنية أو المحاكم الاقليمية أو الدولية، التي قد ينعقد لها الإختصاص مستقبلا بالنظر بهذه الجرائم، إلا أن هذه الملفات والأدلة لن تكون سوى أدلة قابلة للتمحيص والتدقيق من قبل المحكمة الناظرة في الدعوى، ويكون للمحكمة السلطة التقديرية المطلقة في الأخذ بها أو الالتفات عنها حسب الحال، لأنه من المعروف قانوناً ان المحكمة تأخد بالأدلة التي تنشر أمام المحكمة ويتناقش فيها الخصوم بصورة علنية، وكذلك الأمر بالنسبة لشهادة الشهود[9]، وعليه وبعد مرور الزمن يُخشى من وفاة شاهد أو عدم القدرة على التوصل إليه أو التواصل معه، فماهو الحل بالنسبة للمحكمة سيما إذا شكك المتهم بصحة الشهادة أو كانت لديه بعض الأسئلة المجدية للشاهد؟

كما إن الآلية لا تتمتع بسلطة رفع الدعاوى أمام المحاكم أي لا تقوم بوظيفة النيابة العامة، كما ولا تتمتع بسلطة التحقيق في الدعاوى، وهذا واضح من الصلاحيات التي أُسندتْ لها بموجب القرار 71/248 وما ورد في تقرير الأمين العام، حيث تم حصر مهمتها بجمع الأدلة وحفظها وإعداد الملفات لتيسير عمل المحاكم، كما وتم التأكيد على إن الآلية ستتشارك المعلومات مع المحاكم التي قد ينعقد لها الإختصاص، إما بناء على طلبها أو بمبادرة من الآلية[10]، وهذا يعني أن المشاركة تتم فقط في حال كانت الدعوى منظورة أمام المحكمة، وقد ذكر الأمين العام إن وظيفة الآلية تشبه وظيفة الإدعاء العام[11]، ونحن نقول إن هذا الكلام غير دقيق لأن الادعاء العام يملك حق الادعاء وهذا غير متوفر للآلية، ونقول إنَّ وظيفتها تشبه إلى حد ما وظيفة الشرطة من حيث جمع الأدلة والبحث عن الرابطة السببية بين الفعل والنتيجة الجرمية، لكن الإختلاف يكمن في أن الشرطة تملك الحق في الاستماع للمشكو منه، وعليها تقديم الضبط مع الموقوف أو بدونه إلى النيابة العامة، وهذان الأمران غير متاحان للآلية.

2ــ لن تتشارك الآلية المعلومات التي بحوزتها مع الأنظمة القضائية التي تسمح بالمحاكمات الغيابية[12]:

لاشك إن حق الدفاع أمام المحكمة يعتبر من الحقوق المقدسة، وقد ورد في العديد من العهود والمواثيق الدولية، ولاسيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان1948  والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966، إلا إن هذا الحق، رغم قدسيته، يجب ألا يشكل عائقاً أمام ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إذ أنه من غير المنطق أن لا يحاسب المتهم لمجرد عدم رغبته بالمثول أمام المحكمة، رغم توجيه مذكرة الدعوة للحضور وفق الأصول القانونية، وعلى الأغلب لن يحضر إن كان متورطاً في ارتكاب الجرم، وحصر المشاركة مع الأنظمة القضائية التي تطبق مبدأ المحاكمات الوجاهية (الحضورية) يعني إفلات الكثير من المجرمين العتاة من المساءلة، لأنه من غير المتوقع أن يتواجد شخص متهم بإرتكاب الجرائم الأشد خطورة على أراضي دولة يمكن أن تحاكمه على أفعاله، اللهمَّ إلا القلة القليلة من المجرمين الصغار الذين لجأوا إلى الدول الأوربية.

ونعتقد بأنه كان من الأفضل أن تُمنح الآلية السلطة التقديرية الكاملة في تشارك المعلومات والأدلة مع المحاكم التي قد ينعقد لها الإختصاص مستقبلاً من عدمه، بغض النظر فيما إذا كانت المحاكمة ستتم بحضور المتهم أو بغيابه، حسب ظروف كل دعوى وملابساتها، بهدف تحقيق الغاية السامية التي أنشئت لأجلها الآلية، ألا وهي إنصاف الضحية ومحاسبة المجرم.

وتجدر الإشارة إلى أن الآلية لن تشارك المعلومات والأدلة التي بحوزتها مع النظام القضائي السوري، لأسباب ثلاثة، أولها: إن المحاكم السورية تطبق عقوبة الإعدام، وهذا محظور على الآلية بموجب الفقرة 14 من تقرير الأمين العام، وثانيها: إن نظامها القضائي لا تتوافر فيه عدالة المحاكمة وفق معايير القانون الدولي، خاصة مع وجود محاكم استثنائية كمحكمة الإرهاب ومحاكم الميدان العسكرية، الغير ملزمة بتطبيق قوانين أصول المرافعات[13]، ثالثها: إن القضاء السوري يأخذ بنظام المحاكمات الغيابية[14].  

3ــ طلب التعاون غير الملزم مع الآلية:

أهابت الجمعية العامة في قرارها رقم 71/248 بجميع الدول وجميع أطراف النزاع والمجتمع المدني، التعاون الكامل مع الآلية على نحو فعال، وتزويدها بكل ما قد يكون بحوزتها من معلومات ووثائق، كما وطلبت من منظومة الأمم المتحدة ككل التعاون الكامل مع الآلية، والإستجابة بسرعة لأي طلب، بما في ذلك إتاحة الوصول إلى جميع المعلومات والوثائق، وأكد التقرير المقدم من الأمين العام على إن للآلية في سبيل تحقيق هذا التعاون إبرام اتفاقات تعاون مع أي دولة أو كيان[15].

نلاحظ بأن صيغة طلب التعاون مع الآلية جاءت على سبيل التمني لا أكثر، لذلك لن يكون من المتوقع أن يتم التعاون معها بشكل كبير، سيما إن أخذنا بعين الاعتبار إن تاريخ تقديم تلك المعلومات والأدلة إلى المحاكم غير معلوم، وقد يستغرق ذلك سنوات عدة، وقد ترى الدولة أو المنظمة الحائزة للمعلومة بأنه من الأفضل أن تقوم هي بتقديم المعلومات للمحكمة، إن تم رفع الدعوى أمامها، بشكل مباشر بدلاً من المرور عبر بوابة الآلية، لذلك كان من الأجدى لو أنه تم إعتماد صيغة الإلزام في القرار، بحيث إن الدول التي وافقت عليه على الأقل، ستكون ملزمة بهذا التعاون.

ولحل هذا الإشكال ولو جزئياً، نرى بأنه يمكن للآلية مستقبلاً أن تنشر تقريراً دورياً تبين فيه أسماء الدول والمنظمات التي تعاونت معها وتلك التي رفضت ذلك، وهذا قد يشكل الزاما أدبياً يدفع الغالبية للتعاون. 

4ــ التمويل:

نص القرار 71/248 في فقرته الخامسة على أن تمويل الآلية سيأتي أول الأمر من التبرعات، وأكد تقرير الأمين العام على ذلك أيضاً، ولعل هذا الأمر يشكل عائقاً أساسياً أمام إنطلاق عمل الآلية، إذ إنه وبعد مرور أكثر من سنة على صدور القرار لم تباشر الآلية عملها بعد، بسبب عدم وجود التمويل الكافي لها لسنة واحدة على الأقل، حتى إنه لم يتم بعد استكمال هيكليتها الإدارية والبنيوية لهذا السبب، وبالتالي فإن الإتكال على التبرعات، والذي يقوم أساساً على مدى الرضا عن الآلية وعلى المواقف السياسية للدول، قد يحرم الآلية من رؤية النور مستقبلاً، وتبقى مجرد قرار كتب على ورق يودع في مستودعات الجمعية العامة، ناهيك عن أن الاعتماد على تبرعات الدول،إن تمت، قد يؤثر في حيادية الآلية واستقلاليتها.

ولتلافي هذا الإشكال كان من المفترض أن تُموَّل الآلية من ميزانية الأمم المتحدة المنصوص عليها في المادة 17 من ميثاقها.

خاتمة:

من الملاحظ أن الآلية لم ترقَ إلى مايطمح اليه السوريين من وجود هيئة أو مؤسسة قانونية قادرة على تحقيق أهداف ومقاصد الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين، ولم تحقق الغاية التي وردت في الفقرة الأولى من القرار 71/248 ألا وهي "ضرورة كفالة المساءلة عن الجرائم التي تنطوي على إنتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان التي ارتكبتْ في سورية منذ آذار 2011" بل كانت ناتجة عن قرار عبَّر عن تفاهمات سياسية بين الدول، تلك التفاهمات التي أفرغت القرار من مضمونه وأبعدته عن أهدافه إلى حد كبير، وتمثَّلَ ذلك بوضع إختصاصات ومهام مقيِدة للآلية، قلَّصتْ من جدواها وفاعليتها في تحقيق العدالة وتقديم الجناة للمحاكمة وجبر الضرر للضحايا، وذلك من خلال حرمانها من حق الإدعاء ورفع الدعاوى أمام المحاكم المختصة، ومن مشاركة المعلومات مع المحاكم التي يمكن أن تحاكم المتهم الرافض للحضور إلى المحكمة رغم دعوته وفق القانون، وكذلك ربط بدء عمل الآلية بمزاج الدول وسياساتها من خلال إحالة موضوع التمويل الى التبرعات والهبات، الأمر الذي قد ينسف الحياد والاستقلالية المفترضتين في الآلية.

ومع ذلك فإن الأمل لايزال موجوداً بأن يصحو الضمير العالمي يوماً ما، وأن يتغلب السلم والأمن الدوليين والعدالة الدولية على الأجندات السياسية، وأن تتنازل الدول عن مصالحها الضيِّقة، وتذهب باتجاه إنشاء محكمة جنائية دولية خاصة بسورية على غرار ماحدث في يوغسلافيا السابقة ورواندا، أو أن تمرِّرَ قراراً بمجلس الأمن يقضي بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، قد يكون سقف طموحاتنا عالياً ولكن ليس مستحيل التحقيق، وإلا فمن غير المنطق الحديث عن "تحقيق السلام الدائم في سورية دون كفالة المساءلة الموثوقة والشاملة عن انتهاكات وتجاوزات القانون الدولي الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان المرتكبة في سورية" (الفقرة 2 من القرار). 

وأخيراً نأملْ أن لا تؤدي تلك العيوب التي تعتري الآلية، بالإضافة إلى عدم وجود إرادة دولية حالية تطمح لتحقيق العدالة في سورية إلى إرغام القاضي "كاثرين ماركي أويل" (الرئيسة الحالية للآلية) على تكرار ماقالته "كارلا ديل بونتي" (عضو لجنة التحقيق الدولية المستقلة)، وتحذو حذوها، عندما عبرت الأخيرة عن خيبة أملها بالمجتمع الدولي بقولها "أنا محبطة، لقد استسلمت.. سأترك هذه اللجنة التي لا تحظى بدعم أي إرادة سياسية، ولا أملك أي سلطة ما دام مجلس الأمن لا يفعل شيئا، نحن بلا سلطة، ولا توجد عدالة من أجل سوريا"[16].






[1] - ابتسام عزام، تقرير منشور في موقع العربي الجديد بتاريخ 22/12/2016 على الرابط: https://www.alaraby.co.uk/politics/2016/12/21/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%84-%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%A7-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9 

[2] - القرار رقم 71/248 الصادر عن الجمعية العامة بتاريخ 21/12/2016.

[3] ابتسام عازم، مصدر سبق ذكره.

[4] النظام الداخلي للجمعية العامة منشور على صفحة الأمم المتحدة على الرابط التالي: http://www.un.org/ar/ga/about/ropga/ropga_cttees.shtml 

[5] د. صبحي محمد أمين، دراسة بعنوان "مبدأ عدم جواز التدخل في شؤون الدول في إطار القانون الدولي الإنساني"  منشورة على موقع المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، على الرابط: http://democraticac.de/?p=38854 

[6] تقرير بعنوان " لجنة التحقيق الأممية بسوريا.. سبع سنوات والمجرمون طلقاء" منشور على صفحة الجزيرة نت بتاريخ 7/8/2017 على الرابط: http://www.aljazeera.net/encyclopedia/organizationsandstructures/2017/8/7/%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%B3%D8%A8%D8%B9-%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%B1%D9%85%D9%88%D9%86-%D8%B7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A1 

[7] الفقرة 30 من تقرير الأمين العام.

[8] الفقرة 32 من التقرير.

[9] المادة /14/ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966.

[10] الفقرة 20 من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة.

[11] الفرة 32 من التقرير.

[12] الفقرة 20 من التقرير.

[13] المادة 7 من القانون رقم 22 لعام 2012 الخاص بإحداث محكمة تختص بالنظر في قضايا الارهاب، والمادة 5 من المرسوم 109 لعام 1968 المتضمن قانون إحداث محاكم الميدان العسكرية.

[14] المواد 322 و327 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري الصادر بالمرسوم 112 لعام 1950.

[15] الفقرتين 6 و7 من القرار 71/248 والفقرة 27 من التقرير.

[16] تقرير بعنوان " لجنة التحقيق الأممية بسوريا.. سبع سنوات والمجرمون طلقاء" على موقع الجزيرة نت، مصدر سبق ذكره.


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (4)
Sort by : Date | Likes

بكل تأكيد مع نقد تلك الآلية التي خلقت ميتة 

لدي سؤال في حال لم يتم تجديد فترة لتلك الآلية عبر مجلس الامن , هالى اين تذهب تلك الملفات 

اعتقد احد اهم اسباب معطلات تلك الآلية هو التمويل , يجب ان يكون ثابت  وو اعتباره تمويله جزء من نشاط الامم المتحدة كي لا يخضع لضغوطات السياسات و الدول المانحة 

 من الواضح إن الآلية لم تتمكن من تحقيق العدالة المطلوبة في سورية بسبب الكثير من العيوب التي تعتري القرار المنشئ لها، وكذلك في تقرير الأمين العام الموضِّح لعمل الآلية