1016 عدد المشاهدات visibility
comment2 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ٢٥ فبراير، ٢٠١٨


محكمة قضايا الإرهاب

السلسلة الأخيرة من المحاكم الاستثنائية في سوريا

المحامي أســامة نجــار


  ملخص تنفيذي 

                   ــ محكمة قضايا الإرهاب تم احداثها بالقانون رقم 22 لعام 2012 مع بداية انتفاضة السوريين على النظام الحاكم في سوريا منذ أكثر من نصف قرن .

ــ تعتبر المحكمة ضمن السلسلة الأخيرة من المحاكم الاستثنائية التي أنشأها النظام الحاكم لغرض حمايته و محاربة معارضيه بالدرجة الأولى .

ــ تصنف هذه المحكمة ضمن المحاكم الاستثنائية المختلطة ، حيث جاءت خارج إطار مجلس القضاء الأعلى و المعايير الدولية لتشكيل المحاكم ، حيث تضم في تشكيلتها قضاة من المدنيين و العسكر .

ــ لا يوجد في تشكيل المحكمة قضاء إحالة لاستئناف قرارات قضاة التحقيق .  

ــ القانون الذي تطبقه المحكمة هو القانون رقم 19 لعام 2012  ــ قانون مكافحة الإرهاب ــ  و هو عبارة عن نصوص لا يمكن أن ينجو منها أحد من المحالين إلى تلك المحكمة بقضية تتعلق بالإرهاب و ذلك بسبب نصوصه العامة و الفضفاضة . 

ــ تم منح النيابة العامة العاملة ضمن المحكمة صلاحيات واسعة لإحالة ما تراه بأنه ذا صلة بالإرهاب .

ــ تدخل السلطة التنفيذية ظاهر في هذه المحكمة من خلال إعطاء صلاحية التعيين لرئيس الجمهورية وحده .

ــ الأحكام الصادرة عن المحكمة لا تقبل الطعن الموضوعي ، كون الدائرة الخاصة بالطعن بأحكام المحكمة و المشكلة في محكمة النقض هي محكمة قانون فقط .

ــ تصدر المحكمة أحكام غيابية بدرجة قطعية و مبرمة ، لا تقبل أي نوع من أنواع الاستئناف أو إعادة المحاكمة أو الإلغاء و الإسقاط لتلك الأحكام .

ــ تم إعفاء المحكمة من التقييد بالإجراءات الأصولية التي تعتمدها المحاكم العادية .


       المقدمة 


     تعتبر أنظمة القضاء الاستثنائي و التي تقوم الأنظمة القمعية بإحداثها عادةً من أكثر الأنظمة خطورة في انتهاك الحق في المحاكمة العادلة ، لما تتضمنه من خروقات للمعايير الدولية في عمل القضاء . 

في سوريا تم تشكيل محكمة قضايا الإرهاب بالقانون رقم 22 الصادر بتاريخ 26 / 7 / 2012 م بعد أقل من شهر من إصدار قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 تاريخ 2 / 7 / 2012 م ، جاء وجود المحكمة و القانون على أثر انتفاضة شعبية عمت أرجاء المحافظات السورية ضد النظام القمعي السائد في سوريا منذ أكثر من نصف قرن .

تعتبر محكمة قضايا الإرهاب بديل و امتداد للمحاكم الاستثنائية السابقة التي كانت قائمة في سوريا مثل المحكمة العسكرية الاستثنائية و محكمة أمن الدولة العليا و التي دأب النظام السائد على وجودها كظله .

جاء تشكيل محكمة قضايا الإرهاب لتقاضي و تجرم الأشخاص الذين يشكلون تهديداً لنظام الحكم القائم في سوريا ، و ليس في معرض حماية كيان الدولة ، و بناءً على ذلك تقوم هذه المحكمة بمحاربتهم بتوجيه تهم تتعلق بالإرهاب مستغلة الحملة الدولية على ما يسمى الإرهاب لتكسب تأييد الرأي العام العالمي و الدول العظمى للتغاضي عن الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي تمارسها هذه المحكمة .

    يتمثل الغرض من هذا البحث في بيان خطورة محكمة قضايا الإرهاب كجسم غريب و استثنائي على نظام العدالة القضائية و ما تقوم به من انتهاكات لحقوق الإنسان ، و بالتالي غياب ثقة المواطنين بالمؤسسة القضائية بشكل عام . و في الوقت ذاته نقدم مقترحات و أفكار لتطوير و تحديث المنظومة القضائية ، ومحو التاريخ الأسود للمحاكم الاستثنائية و القوانين السيئة في سوريا ، بهدف بناء سوريا الغد بمؤسسات تحترم حقوق الإنسان و سيادة القانون .


ــ النشأة و الاختصاص النوعي : 


أحدثت محكمة قضايا الإرهاب بموجب القانون رقم 22 الصادر بتاريخ 26 / 7 / 2012 م الصادر عن رأس النظام السوري بشار الأسد ، حيث تضمن القانون تسع مواد ناظمة لعمل تلك المحكمة . 

يمكن أن نصنف محكمة قضايا الإرهاب ضمن دائرة ما يسمى المحاكم الاستثنائية التي دأب النظام القمعي في سوريا على إحداثها ، لمحاولة إضفاء شرعية للممارسات التي تقوم بها تلك الأنظمة و التي تهدف من ورائها حماية سلطتها القائمة و قمع معارضيها ، و هي ممارسات تنتهك فيها حقوق الإنسان بشكل ممنهج ، و بالتالي فإن إحداث تلك المحكمة جاء خارج نطاق المعايير الدولية لتشكيل المحاكم ، و كذلك خارج نطاق قانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961 الناظم للعمل القضائي في سوريا ..

لكل إنسان ، على قدم المساواة التامة مع الأخرين ، الحق في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة و محايدة ، نظراً منصفاً و علنياً ، للفصل في حقوقه و التزاماته و أية تهمة جزائية توجه إليه  [ 1 ]

...و لا يجوز إنشاء هيئات قضائية ، لا تطبق الإجراءات القانونية المقررة حسب الأصول ، و الخاصة بالتدابير القضائية ، لتنتزع الولاية القضائية التي تتمتع بها المحاكم العادية أو الهيئات القضائية [ 2 ]

  ــ  تنص المادة الأولى من قانون إحداث المحكمة على أن تحدث محكمة تختص بالنظر في قضايا الإرهاب مقرها دمشق و يجوز عند الضرورة إحداث أكثر من غرفة بقرار من مجلس القضاء الأعلى .

  كما تنص المادة الثالثة فقرة ( أ ) على أن تختص المحكمة المحدثة بالنظر في جرائم الإرهاب و في الجرائم التي تحال إليها من قبل النيابة العامة الخاصة بالمحكمة .

و وفقاً لهاتين المادتين أصبحت هذه محكمة مختصة نوعياً بقضايا جرائم الإرهاب ، و بجميع الأفعال التي تحال إليها من النيابة العامة الخاصة بالمحكمة و التي تعتبرها ذات صلة بالإرهاب ، و حدد لها مركز و هي العاصمة دمشق ، على أن تحدث عند الضرورة أكثر من غرفة بقرار من مجلس القضاء الأعلى .

يوجد في المحكمة حالياً و التي تتخذ من وزارة العدل مقراً لها ، غرفتين للجنايات هما ( أ ) و ( ب )  ، و يعتبر رئيس غرفة الجنايات ( أ ) هو رئيس محكمة قضايا الإرهاب ، بالإضافة لوجود قاضي واحد مكلف بقضايا الأحداث الجانحين ، و عدد من قضاة التحقيق موزعين على عدد من الغرف . 

   و حيث أن المادة الأولى من القانون رقم 19 الصادر بتاريخ 2 / 7 / 2012 ـ و هو قانون مكافحة الإرهاب و الذي تطبقه المحكمة ـ نص على قضايا الإرهاب التي تنظرها المحكمة ، إلا أن الاختصاص النوعي للمحكمة لا يقف عند هذا الحد ، بل للنيابة العامة الخاصة بالمحكمة سلطة أن تحيل إليها جميع الأفعال التي ترى بأنها ذات صلة بالإرهاب ، و هو ما نصت عليه المادة الثالثة فقرة ( أ ) من قانون إحداث المحكمة
    هذا التعريف للأعمال الإرهابية يوصف بأنه واسع و عام و فضفاض ، و بالتالي يمكن تفسيره بطريقة تعسفية و خارج نطاق العدالة .

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في سياق تعليقها على تعريف الأعمال الإرهابية بموجب القانون 19 / 2012 الذي تطبقه محكمة قضايا الإرهاب ... بأنه يفتح الباب لإلصاق صفة الإرهاب بأي فعل تقريباً [ 3 ] 

نجم عن هذه النصوص توجيه تهم الإرهاب إلى مجموعات واسعة من الأشخاص الذين يشكلون عادةً القاعدة الشعبية للمعارضة السورية .

حيث تم توصيف و تجريم أعمال قام بها الكثير من سكان المناطق الخارجة عن سيطرة النظام الحاكم و تخضع لسيطرة المعارضة بأنها أعمال إرهابية .

ذكرت المنظمة السورية لحقوق الإنسان سواسية بتقرير لها في معرض كلامها عن القانون رقم 19 / 2012 بأنه عبارة عن مجموعة نصوص عامة و مجملة و جزافية و مطاطة لا يمكن أن ينجو من بين براثنها متهم يحال إلى هذه المحكمة لأن القانون مفصل على مقاس هذه المحكمة بهدف القمع و القصاص و الإيلام و التنكيل بالمعارضين ، فالإرهاب بموجب هذا القانون هو كل ما يهدف للإخلال بالأمن العام ... [ 4 ] 

و أضاف التقرير بأن جميع المتهمين في هذه المحكمة أو في أسوأ الحالات 95 % منهم هم معتقلي رأي و نشطاء الثورة السلميين منهم الإعلامي و منهم الإغاثي أو نشطاء حقوق الإنسان و غيرهم ... [ 4 ]

  و حيث أن إعطاء صلاحيات واسعة للنيابة العامة لإحالة ما تراه ذا صلة بالإرهاب يعتبر تدخل خطير من جانب السلطة التنفيذية في عمل المحكمة ، و هو ما يؤدي إلى هدم استقلالية العمل القضائي ، خاصةً أن قضاة النيابة و قضاة الحكم يتم تعيينهم من السلطة التنفيذية ( رئيس الجمهورية ) ، و هذا ما يشكل خرق لمبدأ الفصل بين السلطات الثلاثة .


تشكيلة المحكمة : 

ــ تنص المادة الثانية ـ قانون محكمة قضايا الإرهاب ـ  بأن المحكمة مؤلفة من ثلاثة قضاة بمرتبة مستشار على أن يكون أحد أعضائها عسكري ، و يسمى فيها قاضي تحقيق مخول بصلاحيات قاضي الإحالة بالإضافة لصلاحياته ، و يكون الحق العام ممثلاً بنيابة عامة خاصة بالمحكمة مؤلفة من رئيس و أعضاء .
كل تشكيلة المحكمة من قضاة الحكم و قضاة التحقيق و النيابة العامة الخاصة يتم تعينهم بمرسوم من رئيس الجمهورية و باقتراح من مجلس القضاء الأعلى .


  هذه المادة تعتبر قاصمة من قواصم العمل القضائي ، إذ تعطي لرئيس الجمهورية صلاحية تعيين قضاة الحكم و التحقيق و النيابة ، بالإضافة لقضاة الدائرة الخاصة بمحكمة النقض المختصة بالنظر بطعون الأحكام الصادرة عن محكمة قضايا الإرهاب .

  في هذا السياق اعتبرت اللجنة الأفريقية الهيئة المسؤولة عن تعيين القضاة و ترقيتهم و نقلهم و تأديبهم في الكاميرون ، التي يرأسها رئيس الجمهورية و يتولى منصب نائب الرئيس فيها وزير العدل ، مخالفة لمبدأ فصل السلطات [ 5 ]

   و قد حاول النظام الحاكم أن يضفي صبغة شرعية لموضوع تعيين القضاة ، بأن يكون تعيين القضاة باقتراح من مجلس القضاء الأعلى ، إلا أن هذا الإجراء لم يستطع إخراجها من كونها مجرد إجراءات شكلية استثنائية ، متجاوزة بذلك قانون السلطة القضائية الذي يعطي لمجلس القضاء الأعلى حق تعيين القضاة في المحاكم و تنقلاتهم ، و ليس لرئيس الجمهورية بصفته رئيس للسلطة التنفيذية ، بالإضافة لمخافة ذلك للمعايير الدولية .

ذكرت منظمة العفو الدولية أنه ينبغي أن تكون الهيئة المسؤولة عن تعيين القضاة و ترقيتهم و تأديبهم مستقلة عن السلطة التنفيذية ، سواء في تكوينها أم في طريقة عملها . و ينبغي أن تتمتع بالتعددية و بالتوازن ، و بحيث يشكل القضاة أغلبية أعضائها . و ينبغي أن تكون إجراءات الانتقاء و التعيين شفافة [ 6 ]

  على الصعيد الآخر فإن قانون المحكمة لم ينص على وجود قاضي إحالة ضمن تشكيل المحكمة ، و هذا يعتبر خرقاً لحقوق المحاكمة العادلة ، حيث أن قاضي الإحالة يعتبر درجة استئنافية ثانية لقرارات قاضي التحقيق في جميع الجرائم كما يعتبر جهة إحالة إجبارية في الجنايات ، و لذلك يعتبر قاضي الإحالة ضمن إحدى الضمانات القضائية في التحقيق الإبتدائي ، خاصة إذا كانت المحكمة تصدر قراراتها بالدرجة الأخيرة .

  إن مهمة قضاء الإحالة في الجنايات تعتبر إحدى الضمانات في التحقيق الابتدائي ، من شأنها عدم إحالة القضايا على محكمة الجنايات إلا إذا كانت مرتكزة على أساس متين من الوقائع و القانون بعد دراستها و تمحيصها من قبل قاضي التحقيق أولاً ثم قاضي الإحالة ثانياُ [ 7 ] .

كما أن اشتمال هيئة الحكم على ـ قاض ـ عسكري يؤكد على الصفة الاستثنائية للمحكمة ،  كون هذا القاضي يتبع وزارة الدفاع ، فهو يثلم حيدتها و استقلالها و بالتالي يعتبر وجوده مخالفةً لضمانات المحاكمة العادلة التي تتطلب أن تكون المحكمة مختصة و مستقلة و نزيهة و مؤسسة وفق المعايير الدولية و القوانين الوطنية الشرعية.


الاختصاص الشخصي للمحكمة :

ــ تنص المادة الرابعة من قانون إحداث المحكمة أن المحكمة يشمل اختصاصها الأشخاص المدنيين و العسكريين .

و بالتالي لم يميز القانون من ناحية الاختصاص الشخصي للمحكمة بين المدنيين و العسكريين و لا بين الأحداث و البالغين ، بل جاء الاختصاص بموجب هذه المادة فضفاض ليشمل الجميع ، بغض النظر عن صفتهم أو حصانتهم .  

و في هذا السياق مثلاً تم اتهام أطفال أمام هذه المحكمة بالقيام بأعمال إرهابية . و لكي يخفف النظام الحاكم من حدة الانتقادات الموجهة للمحكمة تم تكليف قاض من قضاة المحكمة للنظر بقضايا الأحداث ، إلا أن ذلك عم يسعفها من الانتقادات .

   و على الرغم من أنه بموجب القانون الدولي فإن الأطفال تحت سن 18 عاماً يمكن أن يخضعوا للقانون الجنائي ، لكن في ظل الالتزام الكامل باتفاقية حقوق الطفل ، التي تعد سوريا دولة طرف فيها . و إقراراً بضعف و خصوصية حال الأحداث ، فإن القانون السوري ينص على محاكمة الأحداث في محاكم أحداث خاصة و على يد قضاة لديهم خبرة في شؤون الأحداث 

[ 8 ] .

و رغم هذه المعايير الدولية و المحلية إلا أن النظام الحاكم أبى إلا أن يحاكم الأطفال أمام هذه المحكمة القمعية ، حيث حوكم أمام هذه المحكمة أحداث لم يبلغوا سن الثامنة عشر بعد ، خلافاً للمعايير الدولية و لجميع قوانين العالم التي تقتضي محاكمة الأحداث أمام محاكم ترعى حقوقهم و تقدر خصوصية وضعهم .


إجراءات المحاكمة و إصدار الأحكام :

ــ تنص المادة الخامسة من قانون إحداث المحكمة أن الأحكام الصادرة عنها تخضع للطعن أمام دائرة خاصة تشكل بمرسوم في محكمة النقض .

هذا الأمر لا يمكن قياسه بالأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات العادية لجهة المحاكمة بدرجة واحدة نهائية ، على اعتبار أن محكمة الجنايات أكتفت بدرجة واحدة من درجات المحاكمة لأن محكمة الجنايات لا تنظر بالدعوى إلا بعد مرورها على قاضي التحقيق ثم قاضي الإحالة و هذا ما دعا المشرع إلى الاكتفاء بدرجة واحدة في محكمة الجنايات .

و وفقاً للمعايير الدولية فإن لكل شخص أدين بجريمة حق اللجوء وفقاً للقانون إلى محكمة أعلى كيما تعيد النظر في قرار إدانته و في العقاب الذي حكم به عليه [ 9 ] .
و استئناف الأحكام القضائية يعتبر مكون أساسي من مكونات المحاكمة العادلة ، و يهدف إلى ضمان أن لا تصبح الإدانة المترتبة على أخطاء مجحفة ، سواء أكانت قانونية إم إجرائية ، أو خروقات لحقوق المتهم نهائية [ 10 ] 

و قد دعت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان الدول التي تلجأ إلى محاكم عسكرية أو محاكم جنائية خاصة ، إلى ضمان أن تحترم هذه المحاكم ضمانات المحاكمة العادلة ، بما في ذلك حق الاستئناف [ 11 ] .


ــ على الصعيد الآخر تنص المادة السادسة من قانون إحداث المحكمة بأن الأحكام الغيابية الصادرة عن المحكمة لا تخضع لإعادة المحاكمة في حال إلقاء القبض على المحكوم عليه إلا إذا كان قد سلم نفسه طواعية .

هذه المادة اعتبرت الأحكام الصادرة غيابياً أحكاماً قطعية غير قابلة لأي طريق من طرق الطعن العادية أو الغير عادية و ذلك عند إلقاء القبض على المحكوم عليه ، و يستثنى من ذلك المحكوم عليه الذي يسلم نفسه طواعية.

جاءت هذه المادة مخالفة لقانون أصول المحاكمات الجزائية في هذا السياق ، حيث يعتبر قانون أصول المحاكمات أن الاحكام الغيابية الصادرة عن محكمة الجنايات و سائر المعاملات الجارية ملغاة حكماً في حال قيام المحكوم عليه بتسليم نفسه أو القبض عليه و بالنتيجة تعاد المحاكمة من جديد بصورة وجاهية ، و هذا ما نصت عليه المادة ( 333 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية .

بالإضافة إلى أنه لا يعتبر الحكم الغيابي الصادر على المتهم بجناية من محكمة الجنايات حكماً نهائياً بمعنى هذه الكلمة 

[ 12 ] 

حيث تعتبر الأحكام الغيابية من أقل الأحكام قوة في الدلالة على ما قضى به ، فمن العدل إذن ... إعادة محاكمته ... إعمالاً للقاعدة التي تقول بعدم جواز الحكم على الشخص إلا بعد سماع أقواله [ 13 ]

كما أن ذلك يعتبر انتهاك للحق في المحاكمة العادلة حسب المعايير الدولية . فالمحاكمة الغيابية محظورة صراحة بموجب مبادئ المحاكمة العادلة في أفريقيا [ 14 ] . خاصة إذا كانت صادرة عن محاكم لم تعتمد المعايير الدولية في تشكيلها و إجراءاتها و أحكامها . و إن أي تفسير حرفي للمادة 14 ( 3 ) ( د ) من العهد الدولي لا يدع مجالاً للشك في عدم جواز بدء محاكمة المتهم في غيابه [ 15 ] 

    و قد شددت آليات مراقبة حقوق الإنسان ، التي ترى أنه يجوز مباشرة المحاكمات غيابياً في ظروف استثنائية ، على أنه يتحتم في مثل هذه الحالات مراعاة المزيد من الحذر و اليقظة لضمان حقوق الدفاع ... [ 16 ] 

و قد دعت منظمة العفو الدولية بخصوص ذلك إلا أنه إذا تم القبض على شخص عقب محاكمة أدين فيها غيابياً ، إلى إبطال الحكم الذي صدر بحقه غيابياً و إعادة محاكمته وفق إجراءات جديدة و نزيهة تماماُ أمام محكمة مستقلة و محايدة 

[ 17 ] .

ــ تنص المادة السابعة من قانون محكمة قضايا الإرهاب أن المحكمة لا تتقيد بأصول المحاكمات التي نصت عليها التشريعات النافذة و ذلك في جميع أدوار و إجراءات الملاحقة و المحاكمة .

هذه المادة أعفت المحكمة من جميع الإجراءات المنصوص عليها في قوانين أصول المحاكمات ، و منها إجراءات وظائف النواب العامين ، وهي التي تتعلق بالاخبارات و الجرم المشهود و الجرائم الواقعة داخل المساكن و الجرائم غير المشهودة [ 18 ] ، بالإضافة لوظائف قضاة التحقيق [ 19 ] ، و الإجراءات الأصولية المتبعة لدى المحاكم الجنائية [ 20 ].  

   بالإضافة لإعفائها من التقيد من إجراءات أصولية أخرى تتبع قبل و أثناء المحاكمة وفق المعايير الدولية و منها :    

  1- الحق في الاستعانة بمحام قبل المحاكمة .
   2- الحق في الاتصال بالعالم الخارجي . 

   3- الحق في النظر العلني للقضايا .  
   4- حق المرء في أن يدافع عن نفسه بشخصه أو من خلال محام .

  في هذا السياق مثلاً ذكر تقرير المنظمة السورية لحقوق الإنسان سواسية أن مدير إدارة أمن الدولة في سوريا اللواء علي مملوك قال : لن نسمح للمحامين على اختلاف مشاربهم بالدخول لهذه المحكمة [ 21 ]

   5- افتراض براءة المتهم .  

   6- الحق في عدم الإكراه على الاعتراف بالذنب .

   7- استبعاد الأدلة المنتزعة جراء انتهاك المعايير الدولية . 

فهذه المادة تضرب بعرض الحائط كل المعايير الدولية في هذا السياق 

على سبيل المثال : معظم الأشخاص الذين يحاكمون أمام محكمة قضايا الإرهاب يجري اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية السيئة الصيت و لفترات طويلة و بشكل تعسفي و بدون مذكرات قضائية و ليس بهدف العرض أمام سلطة قضائية و إنما الهدف هو احتجازهم و اخفائهم بشكل قسري و سري . فليس هناك معايير واضحة و محددة للإحالة إلى هذه المحكمة بل يرجع الأمر في ذلك للقرارات الأمنية ، فإذا ما تم إحالتهم إلى هذه المحكمة حوكموا أمامها دون معرفة الإجراءات الأصولية التي تتبعها .

  بعد هذا الإعفاء من هذه الإجراءات الأصولية يمكن أن نقول بأن ضمانات المحاكمة العادلة بحدها الادنى غير موجودة في هذه المحكمة .


نتائج و مقترحات

الكم الهائل من الانتهاكات التي مارسها و يمارسها النظام الحاكم في سوريا ، أوصلت البلاد إلى حالة كارثية من الاستبداد و القمع و الفقر و الفساد و التهجير و القتل ... 

  وإن المؤسسة القضائية لها حقاً علينا نحن المحامون بوصفنا أحد جناحي العدالة ، بالإضافة لالتزامنا اتجاه الإنسان بالدفاع عنه وعن حقوقه . 

لذلك نقدم بعض المقترحات في سبيل تطوير و تحديث المنظومة القضائية في سوريا الغد : 

ــ فيما يتعلق بثقافة المجتمع السوري : 

ــ تعزيز ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع السوري و منها الحق بمحاكمة عادلة للجميع - كمرحلة أولى - للحد من الانتهاكات التي تمارس بحقهم ، لكي تصبح حقوق الإنسان - بمرحلة تالية - جزء من الثقافة المترسخة عند السوريين .

ــ فيما يتعلق بمحكمة قضايا الإرهاب : 

ــ على المجلس القضائي الأعلى القادم حل و إلغاء محكمة قضايا الإرهاب  و أي محكمة استثنائية أخرى تحت أي مسمى كان .

ــ تشكيل لجنة قضائية مستقلة وفقاً للمعايير الدولية لمراجعة القضايا القائمة لدى محكمة قضايا الإرهاب ، أو إحالتها للمحاكمة العادية ، و الأمر بإخلاء سبيل المدعى عليهم الموقوفين لصالح هذه المحكمة .

ــ يجب السماح للمحكوم عليهم من قبل المحكمة و ما زالوا يمضون العقوبات التي فرضتها عليهم المحكمة بالطعن في إدانتهم و أحكامهم أمام محكمة استئناف جزائية عادية تطبق معايير العدالة الدولية و المحلية .

ــ تطبيق العدالة الانتقالية بحق قضاة محكمة قضايا الإرهاب و غيرها من المحاكم الاستثنائية لكي يعاد لضحايا هذه المحاكم كرامتهم و لبناء الثقة العامة بالنظام القضائي الجديد .

ــ فيما يتعلق بالنظام القانوني و القضائي : 

ــ العمل على أن ينص الدستور القادم لسوريا على ما يلي : 

   ــ  أن تلتزم السلطة التشريعية بإصدارها للقوانين بالمعايير الدولية و المحلية .

   ــ  أن يكون رئيس الجمهورية مسؤولاً عن إرهاب الدولة و خرق الدستور كمسؤوليته عن الخيانة العظمى .

ــ العمل على أن يكون المجلس القضاء الأعلى القادم وفق المعايير الدولية من حيث تشكيله و أعضاءه و عمله . و أن يكون تشكيل المحاكم بقرار مستقل من مجلس القضاء الأعلى فقط .
ــ ينبغي أن تضمن الدولة و الدستور استقلال القضاء ، و ليس رئيس الجمهورية .  

ــ على السلطة التشريعية القادمة أن تبطل و تلغي القوانين و نصوص المواد التي تنتهك المعايير الدولية و المحلية لحقوق الإنسان و منها القانون رقم 19 / 2012 المسمى قانون مكافحة الإرهاب ، و بعض مواد قانون العقوبات رقم 148 / 1949 العامة الفضفاضة .

ــ العمل على أن ينص قانون تنظيم مهنة المحاماة على عدم السماح للمحامين المثول و المرافعة أمام المحاكم الاستثنائية ، تحت طائلة المساءلة المسلكية و ذلك لقدسية مهنة المحاماة .


الاستنتاج 

    لم يأتي إنشاء المحاكم الاستثنائية في سوريا و منها محكمة قضايا الإرهاب لحماية كيان الدولة و لا للدفاع عن الحقوق و احترامها و إقامة العدل بين البشر ، بل جاءت كأجهزة قمعية بوجه المعارضة و قاعدتها الشعبية و لإرهاب المجتمع السوري عموماً ، بالإضافة لحمايتها للنظام القمعي الذي أحدثها و ذلك للتغطية على انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب بحق السوريين .

و في الوقت ذاته أدى وجود هذه المحاكم و القوانين القمعية التي تطبقها إلى تحييد المحاكم و القوانين العادية عن ولايتها القضائية الأساسية حيث تم سلب اختصاصها في كثير من الأحيان ، و بالتالي شكل تهديداُ للنظام القضائي للدولة من ناحية الاستقلالية و الحياد .

بالإضافة للكم الهائل من انتهاكات حقوق الإنسان و عدم احترام المعايير الدولية للمحاكمات العادلة ، و سيطرة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية أدى إلى انعدام الثقة بالنظام القضائي القائم بشكل عام .

   و الذي يظهر خطورة هذه المحكمة عملياً هو العدد الكبير لضحاياها ، حيث ذكرت المنظمة السورية لحقوق الإنسان سواسية ، أن عدد ضحايا هذه المحكمة أكثر من مئة ألف متهم ، و أن أكثر من نصفهم كانت قد صدرت بحقهم أحكام مبرمة تتراوح ما بين الإعدام و الأشغال الشاقة ، في حين أن القسم الآخر يخرج بقرار تحقيقي من إحدى الدوائر الستة التحقيقية في هذه المحكمة بمنع محاكمة و لكن بعد سنوات من الاعتقال [ 22 ] 

و كلامنا عن مواد قانون تشكيل المحكمة لا يعني وجود الشرعية في بعض جزئياتها بل إن محكمة قضايا الإرهاب بدءاً من تشكيلها و مروراً بإجراءاتها و انتهاءً بأحكامها يمثل انتهاكاً للعدالة بحدها الأدنى .

و مهما طال الزمن على وجود هذه المحاكم و القوانين القمعية فلن تتحول إلى حالة طبيعية ضمن النسيج القضائي ، بل ستظل خارج المعايير الدولية للعمل القضائي ، و التي ينبغي أن تلغى إلى غير رجعة ، و هذا هو غرضنا في هذا البحث .

و في النهاية نقول :

أن القضاء العادل المستقل هو لبنة البناء الأولى للدول ، و التي ينبغي في سوريا الغد الاهتمام و العمل به لما في ذلك من بناء دولة المؤسسات التي غابت عن سوريا أكثر من نصف قرن .

**********************************************

  








المصادر

[1] المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .

[2] المادة الخامسة من المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية المعتمدة بمؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة و معاملة المجرمين المعقود بميلانو من 26 آب إلى 6 أيلول 1985 .

[3] تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش بعنوان سوريا استخدام محكمة مكافحة الإرهاب لحنق المعارضة صادر بتاريخ 25 تموز 2013 م .

[4] تقرير المنظمة السورية لحقوق الإنسان – سواسية بعنوان المذابح القضائية في سوريا صادر بتاريخ 28 آذار 2014 م

[4] المصدر السابق مكرر 

[5] دليل المحاكمة العادلة ص 113 الطبعة العربية الثانية  الصادر عن منظمة العفو الدولية بتاريخ 2014 برقم وثيقة :POL 30/002/2014 Arabic

[6]  المصدر السابق ص 113 .

[7] الدكتور حسن جوخدار – أصول المحاكمات الجزائية / الجزء الثاني ص 241 .

[8] تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش بعنوان بعيداً عن العدالة صادر بتاريخ 24 شباط 2009 .

[9] دليل المحاكمة العادلة ص 182 الطبعة العربية الثانية  الصادر عن منظمة العفو الدولية بتاريخ 2014 برقم وثيقة : POL 30/002/2014 Arabic

[10] + [ 11 ]  المصدر السابق ص 182 .

[12] الدكتور حسن جوخدار ــ أصول المحاكمات الجزائية / الجزء الثالث ص 122 .

[13] المصدر السابق ص 21 .

[14] المصدر السابق ص 157 ــ القسم ن (6)(ج)(2) من مبادئ المحاكمة العادلة في أفريقيا .

[15] المصدر السابق ص 157 .

[16] + [ 17 ] المصدر السابق ص 158 .

[18] + [ 19 ] + [ 20 ] قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري رقم 112 / 1950 الباب الثاني الفصل الثالث و الرابع – الباب الرابع – الباب التاسع .

[ 21 ] تقرير المنظمة السورية لحقوق الإنسان – سواسية بعنوان المذابح القضائية في سوريا صادر بتاريخ 28 آذار 2014 م

[ 22 ] تقرير المنظمة السورية لحقوق الإنسان – سواسية بعنوان المذابح القضائية في سوريا صادر بتاريخ 28 آذار 2014 م







ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (2)
Sort by : Date | Likes

معظم الأشخاص الذين يحاكمون أمام محكمة قضايا الإرهاب يجري اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية السيئة الصيت و لفترات طويلة و بشكل تعسفي و بدون مذكرات قضائية و ليس بهدف العرض أمام سلطة قضائية و إنما الهدف هو احتجازهم و اخفائهم بشكل قسري و سري . فليس هناك معايير واضحة و محددة للإحالة إلى هذه المحكمة بل يرجع الأمر في ذلك للقرارات الأمنية ، فإذا ما تم إحالتهم إلى هذه المحكمة حوكموا أمامها دون معرفة الإجراءات الأصولية التي تتبعها

تماماً لا اصول للمحاكمات على الاطلاق 

تنص المادة السابعة من قانون محكمة قضايا الإرهاب أن المحكمة لا تتقيد بأصول المحاكمات التي نصت عليها التشريعات النافذة و ذلك في جميع أدوار و إجراءات الملاحقة و المحاكمة .