1622 عدد المشاهدات visibility
comment1 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ١ أغسطس، ٢٠١٨


العدالة الانتقالية في سوريا بين الضرورة والممكن

المحامي: ادوارد هائل يوسف


مقدمة :

العدالة، بما في ذلك العدالة الانتقالية، لبنة أساسية لبناء السلام المستدام في البلدان التي تشهد نزاعات والتي تمر بمرحلة ما بعد النزاع.

العدالة الانتقالية متجذرة في المساءلة وجبر الضرر وتعترف بكرامة الضحايا كمواطنين وكبشر . 

تجاهل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان قد يكون مهربا سهلا ، ولكنه يدمر القيم التي يبنى عليها أي مجتمع لائق. 

تسأل العدالة الانتقالية أصعب الأسئلة التي يمكن تصورها حول القانون والسياسة عن طريق وضع الضحايا وكرامتهم 

في المقدمة. تشير العدالة إلى الطريق قدما لتجديد الالتزام بجعل المواطنين العاديين على يقين بالأمان في بلدانهم ، في مأمن من تجاوزات سلطاتهم وتحت حماية فعالة من أي انتهاك من قبل الآخرين

وهي الأساس اللازم لاجتراح الحلول القادرة على لملمة آلام المضطهد وجبر ضرر المعتقل والوصول بالمعتدي والمجرم لينال عقابه وجزائه

والمقصود بالعدالة في هذا السياق هي العدالة المبنية على المحاكمات لتكون المرتكز الأساس في إعادة الثقة في مؤسسات الدولة وسيادة القانون وردم الهوة بين المواطن وتلك المؤسسات 

دون التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو الطائفة أو العرق أو اللون.

هدف الدراسة : التعريف بالعدالة الانتقالية والحاجة الماسة لها لنا كسوريون، ونحن أمام هذا الإرث الثقيل من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، ووضع بعض الاقتراحات والتصورات التي من الممكن البناء عليها للوصول إلى نقطة البداية في خط انطلاق العدالة باتجاه هدفها المنشود، للحفاظ على ما تبقى من التركيبة الاجتماعية السورية التي باتت مهددة بالشمولية والعنصرية جراء الانتهاكات الجسيمة من قبل قوات الأسد والميليشيات الداعمة له  والتي ترقى في معظمها لجرائم الإبادة الجماعية والتمييز العنصري .


الباب الأول

العدالة الانتقالية قانوناً

تشير العدالة الانتقالية إلى مجموعة التدابيرالقضائية  وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان 

وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات. وليست العدالة الانتقالية نوعًا "خاصًّا" منالعدالة، إنّما مقاربة لتحقيق العدالة في فترات الانتقال من النزاع و/أو قمع الدولة. ومن خلال محاولة تحقيق المحاسبة والتعويض عن الضحايا، تقدّم العدالة الانتقالية اعترافاً بحقوق الضحايا وتشجّع الثقة المدنية، وتقوّي سيادة القانون و الديمقراطية 


الفصل الأول

أهداف العدالة الانتقالية

الهدف العام للعدالة الانتقالية هو التعامل مع الموروث  المتراكم من انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة. إذ تهدف العدالة الانتقالية إلى فرض المساءلة وتحقيق المصالحة، لتشمل كافة الضحايا، و تحميل الجناة المسؤولية بغض النظر عن هوياتهم،  والقضاء بالمساواة في كافة إجراءاتها وعملياتها. وتمتاز عملياتها بأنها بالعقوبات تارةً وبالتصالح والعفو تارةً أخرى، لاستعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة إلى جانب ثقتهم ببعضهم البعض.

و تشتمل الأهداف التكاملية على:

أولا: إنشاء مؤسسات خاضعة للمساءلة واستعادة الثقة من تلك المؤسسات 

ثانيا:جعل الوصول للعدالة ممكنا للفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع في أعقاب الانتهاكات

ثالثا: ضمان أن النساء والمجموعات المهمّشة تلعب دورا فعالاً في السعي لتحقيق مجتمع عادل

رابعا: احترام سيادة القانون

خامسا: تسهيل عمليات السلام وتعزيز حل دائم للصراعات 

سادسا: إقامة أساس لمعالجة الأسباب الكامنة وراء الصراع والتهميش

سابعا: دفع قضية المصالحة الوطنية قدما

وبالحديث عن سورية ما بعد الأسد، ستكون أهداف العدالة الانتقالية هي:

  • تحقيق العدالة لضحايا  انتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة والانتهاكات السابقة لما قبل الثورة وإيجاد  بدائل عن وسائل الانتقام خارج النظام القضائي التي من شأنها أن تُفاقم النزاع وتزيد من حدة الخلاف بين مكونات المجتمع السوري.
  • تقديم بعض الحقائق  الموضحة  لتصرفات الجناة والتجارب التي مر بها الضحايا.
  • إيجاد آليات متنوعة للمساءلة والشفافية بحيث تكون شاملة بشكل يمنع وقوع المزيد من الانتهاكات واسترداد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة والمساهمة في تدعيم وشرعية سيادة القانون والمؤسسات الديمقراطية.
  • استرداد ثقة المواطنين بالدولة وبناء صورة مستقبلية جديدة إيجابية لسوريا بكل مكوناتها.
  • تمكين وتعزيز  الضحايا  من جهة والمجتمع ككل من جهة أخرى  للتعافي والشفاء بعد ما تعرضوا له من عنف واضطهاد واستبداد.


الفصل الثاني

أركان العدالة الانتقالية

بسبب حجم الانتهاكات وسياق هشاشة المجتمع يصعب التعامل مع كل مخالفة كما قد يكون الحال في الأوقات العادية ،عادة، يوضع قدر كبير من التركيز على أربعة أنواع من "النهج"

الملاحقات القضائية، لاسيّما تلك التي تطال المرتكبين الذين يُعتَبَرون أكثر من يتحمّل المسؤولية.

جبر الضرر، الذي تعترف الحكومات من خلاله بالأضرار المتكبَّدة وتتّخذ خطوات لمعالجتها. وغالباً ما تتضمّن هذه المبادرات عناصر مادية (كالمدفوعات النقدية أو الخدمات الصحيّة على سبيل المثال) فضلاً عن أشكال رمزية كالاعتذار العلني أو إحياء يوم للذكرى

إصلاح المؤسسات

ويشمل مؤسسات الدولة القمعية على غرار القوات المسلّحة، والشرطة والمحاكم، بغية تفكيك – بالوسائل المناسبة – آلية الانتهاكات البنيوية وتفادي تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والإفلات من العقاب

لجان الحقيقة

أو وسائل أخرى للتحقيق في أنماط الانتهاكات الممنهجة والتبليغ عنها، وللتوصية بإجراء تعديلات وكذا للمساعدة على فهم الأسباب الكامنة وراء تلك الانتهاكات.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الأساليب المختلفة كبدائل لبعضها البعض. على سبيل المثال، لجان الحقيقة ليست بديلا عن المحاكمات. تحاول لجان الحقيقة أن تفعل شيئًا مختلفًا عن الملاحقات القضائية بتقديم مستوى أوسع بكثير من الاعتراف والحد من ثقافة الإنكار. وبالمثل، فإصلاح الدساتير والقوانين والمؤسسات ليست بديلا عن تدابير أخرى ولكن تهدف مباشرة إلى استعادة الثقة ومنع تكرار الانتهاكات


الفصل الثالث

آليات العدالة الانتقالية و إمكانية تطبيقها في سورية

من الصعوبة بمكان تنفيذ معظم آليات العدالة الانتقالية في سورية دفعة واحدة، كون كل آلية تحتاج إلى مدة معينة تبعا لإجراءاتها ونمط عملها رغم أن كل الآليات في النهاية تفضي إلى الهدف نفسه (العدالة)

ولعل تجارب الشعوب الأخرى التي عانت لسنوات من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان {مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ودول أمريكا الجنوبية وغانا وجنوب أفريقيا والعراق} والتي عانت من ويلات الحرب والتمييز العنصري خير دليل على صعوبة تطبيق آليات العدالة الانتقالية بشكل فوري ودفعة واحدة كما أن تاريخ العدالة الانتقالية تطور مع كل مرحلة و نزاع،والأخذ بالاعتبار خصوصية كل بلدتاريخيا واجتماعيا عن الآخر، ويلح بضرورة إجراءات سريعة لبعض الآليات التي تهدف إلى طمأنة الشعب، وضرورة إيجاد تحولات وإجراءات حقيقية، ومصداقية في العمل للمرحلة الديمقراطية القادمة

إحدى آليات العدالة الانتقالية هي الدعاوي الجنائية، والتي تتمثل بمحاكمة كبار المسئولين المتورطين في الانتهاكات الجسيمة من الطرفين وتشمل أصحاب القرار في القيادة  من ضباط الجيش وجهاز المخابرات والشرطة والأمن ضمن محاكمات وطنية سورية خاصة، تنشأ لذلك والحكم وفق القانون السوري والاستفادة من القانون الجنائي الدولي ،وبرعاية منظمات حقوقية دولية والأمم المتحدة كي لا تتحول إلى محاكمات انتقامية{تجربة كوسوفو مثالا}
وتعتبر آلية جبر الضرر إحدى أهم الآليات لتحقيق العدالة الانتقالية، وذلك عبر تنفيذ برامج إعادة الحقوق والتعويضات لضحايا الانتهاكات،وتشمل التعويض المعنوي و المالي .

ومن آليات تحقيق العدالة الانتقالية بعيدة المدى، وذلك بسبب حاجتها لفترات زمنية طويلة وتعقيد إجراءاتها {لجان تقصي الحقائق وإعادة هيكلة المؤسسات}تشكيلها في سورية بمرسوم من الحكومة الانتقالية وبإشراف من الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية منعا لأي تأثير عليها

وتكون مهمتها كشف الحقيقة للسوريين والعالم وتقديم سجل تاريخي للانتهاكات

أما آلية إصلاح المؤسسات فهي عملية طويلة مهمتها تحويل مؤسسات الشرطة والجيش والاستخبارات إلى مؤسسات نزيهة في خدمة الشعب والقانون وتعمل على حفظ السلام وحماية القانون وسيادة الدولة وتعتمد بشكل فعلي على إصلاح الأجهزة الأمنية وتطهير الجيش من مرتكبي الانتهاكات والجرائم بحق الشعب

وهذه هي إجراءات الإصلاح المؤسساتي التي يجب إتباعها لتعود المؤسسات إلى الشعب وتتخلص من سيطرة حزب البعث وأجهزته الأمنية والتي كان السبب فيما آلت إليه سورية

وتلعب هنا مؤسسات المجتمع المدني دورا كبير في إنجاح خطط العدالة الانتقالية في سورية من خلال نشر الوعي القانوني وتقديم التسهيلات لإجراء المحاكمات و توثيق الجرائم والانتهاكات،وباستطاعتها الإشراف على سير العدالة الانتقالية وتقديم المشورة للجان تقصي الحقائق وتشجيع الضحايا على رفع الدعاوي ضد المسئولين عن الجرائم للانتقال بسورية من حالة الشمولية إلى حالة الديمقراطية والتعددية وفق دستور يحفظ حقوق جميع المواطنين.


الفصل الرابع

الضحية ودورها في العدالة الانتقالية

يعرف القانون الدولي الضرر بأنه كل نوع يتعذر إصلاحه وهو كل انتهاك يتعذر إصلاحه وعن الجهات المعنية بوضع برنامج جبر الضرر  فان كل دولة تختار الكيفية  والجهة فهناك دولا ركزت لجان الحقيقة وأخرى قامت بمبادرات تشريعية ووضع قوانين  .
وحول متطلبات برامج جبر الضرر فان القانون الدولي يؤكد على ضرورة تحقيق الاكتمال بمعنى ضمان وصول كل برنامج جبر الضرر الى كل ضحية في الدولة، والبرنامج الناجح هو الذي يغطي كل الضحايا و ذلك يتوقف على الحصول على قدر كاف من المعلومات عن الضحايا وطبيعة الانتهاكات

في 21 كانون الأول/ديسمبر 2010،أعلنتالجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 24 آذار/مارس يوما دوليا للحقفي معرفة الحقيقة فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولاحترام كرامة الضحايا.

وانطلاقا مما سبق فالضحية هي كل من لحقه ضرر جراء تعرضه لانتهاك على معنى هذا القانون سواء كان فردا أو جماعة أو شخصا معنوياوتعد ضحية أفراد الأسرة الذين لحقهم ضرر لقرابتهم بالضحية على معنى قواعد القانون العام وكل شخص حصل له ضرر أثناء تدخله لمساعدة الضحية أو لمنع تعرضه للانتهاك.

ويختلف تعريف الضحية حسب الفقه القانوني للدول 

-الضحية هي "الشخص الذي تأذى في سلامته الشخصية بواسطة عامل أجنبي تسبب له في ضرر ظاهر، معترف به من طرف أغلبية أفراد المجتمع  {الفقه الفرنسي}.

-أما الفقه العربي  فإننا نجده يعرف المجني عليه بكونه "كل شخص أراد الجاني الاعتداء على حق من حقوقه وتحققت فيه النتيجة الجنائية التي أرادها الفاعل{الفقه المصري}.

-بعض التشريعات الجنائية يعطي مدلولا اجتماعيا للجريمة، إذ تعتبر هذه الجريمة، كل فعل يحدث في المجتمع اضطرابا في النفوس خوفا وقلقا وانعدام الأمن والطمأنينة{التشريع المغربي}

وجميع التعريفات والنظريات القانونية تجمع على مبدأ {وقوع فعل غير مشروع}على شخص بغير وجه حق

وعليه فإن الضحية في معرض الحديث عن العدالة الانتقالية هو كل شخص تضرر بشكل مباشر أو غير مباشر جسدياً أو معنويا أو ماديا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي مارستها إحدى أطراف النزاع في سورية 

ولكي تكون العدالة المراد تطبيقها في غايتها هي إحقاق الحق والإنصاف وجبر الضرر لمن وقعت الانتهاكات بحقه من أحد أطراف الصراع ، فيجب أن تكون العدالة الانتقالية بما يتعلق بالضحية أشبه ما تكون بفصول للمصارحة بين المعتدي والضحية والتي يجب أن تكون بعد إنشاء مؤسسات ولجان تهدف للحقيقة وتركز على فكرة التعويض وجبر الضرر 

والضحية هي كل من لحقه ضرر جراء تعرضه للانتهاك سواء أكان فرداً أو جماعة أو شخصاً معنوياً 

ولإنجاح العدالة الانتقالية لابد من إشراك الضحايا في العملية الانتقالية لتكون من مكونات العدالة والتحول الديمقراطي الذي ينشده المجتمع.



الفصل الخامس

العدالة الانتقالية على المستوى الوطني الداخلي

لتقوم العدالة الانتقالية على المستوى الداخلي فانه يلزم لذلك توفر إرادة سياسية جادة في تحقيق العدالة تلغي الحسابات السياسية والتوازنات القائمة بين أركان السلطة لصالح تأسيس دولة الحق والقانون ،وغالبا ما تكون العقبة أمام تحقيق مبدأ العدالة الانتقالية هي الأشخاص التي ساهمت وساعدت النظام أو شخصياته على ارتكاب الانتهاكات والجرائم بحق الإنسانية

و وجود هؤلاء الأشخاص وتلك الكيانات  داخل النظام السياسي القائم خاصة عندما تكون هي المسؤولة عن الجرائم المرتكبة ، والتي تجازف أحيانا وتقدم على تنفيذ عملية انقلابية شاملة من منطلق الخوف على أنفسهم من المتابعات القضائية التي قد تطالهم ، وبذلك فإنهم {أي مرتكبي الانتهاكات والجرائم} قد ينسفوا أية جهود لقيام العدالة الانتقالية 

وهنا تبرز أهمية محاكمة جميع القيادات السياسية والعسكرية المتورطة بالانتهاكات والتجاوزات بالتوازي مع إقرار وتطبيق الفترة الانتقالية التي يجب أن تكون هي الخطوة الأولى نحو العدالة الانتقالية التي تضع الركائز لتلك الحقبة من الاستقرار والعدالة وسيادة دولة القانون.


الفصل السادس

تجارب الدول الأخرى مع العدالة الانتقالية

على الرغم من مفهوم العدالة الانتقالية ظهر في منتصف القرن العشرين ، فان حضوره تكثف بشكل خاص منذ سبعينات القرن الماضي ، وقد تبنى نهج العدالة الانتقالية أكثر من 30 دولة من مختلف قارات العالم، من بينها أليونان، الأرجنتين، تشيلي، ألمغرب، جنوب إفريقيا، رواندا، غواتيمالا وغيرها من التجارب وقد كانت اليونان بوصفها البلد الأول الذي طبقت فيه العدالة الانتقالية في أواسط السبعينات من القرن الماضي(1975-1977) على اثر سقوط الحكم العسكري فيها، حيث تم مسائلة الحكام عن خروقات حقوق الإنسان، كما أدت جهود لجنة تقصي الحقيقة في الأرجنتين إلى محاكمة الطغمة العسكرية عام 1983 بعد ثلاث سنوات من إبعادهم من السلطة على اثر الحرب على جزر{ الفوكلاند} مع بريطانيا، وقد قضت لجنة تقصي الحقائق في تشيلي عام 1990 بمحاكمة الدكتاتور { بينوشيه} الذي تسلم السلطة على اثر انقلابه الدموي عام 1973 بتهمة ارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان وقد تمخضت عن توفير تعويضات لصالح الضحايا أو لذويهم

وقد كانت التجربة في جنوب إفريقيا{لجنة الحقيقة والمصالحة} هي الأبرز من نوعها في معالجة ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان ومرتكبيها، وقد جاءت بعدها محاكمة مجرمي الحرب الأهلية في يوغسلافيا، وبعد ذلك قادة جمهورية الصرب على الجرائم التي ارتكبت في البوسنة حتى سنة 2005
الجيل الأول: وقد جاء بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك من خلال محاكمة مجرمي الحرب من الألمان واليابانيين، فيما عرف بمحاكمات {نورمبرغ وطوكيو}، وتمحورت هذه العدالة بفكرة التجريم والمحاكمات الدولية وتمثلت أهم آليات عملها في اتفاقية الإبادة الجماعية التي تم إقرارها
الجيل الثاني: في ظل الحرب الباردة أصاب الركود أدبيات العدالة الانتقالية، حيث كان هناك التغاضي عن العديد من الجرائم الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان ولمبررات مرتبطة في حالة الصراع الذي كان دائر ما بين المعسكرين وحلفائهما، وأستمر ذلك حتى التغييرات السياسية في أوربا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفييتي حيث برز مفهوم العدالة الانتقالية بنمط جديد، وقد تمت إجراءاته في هذه الدول من خلال مؤسسات الدولة وتجاوز فكرة المحاكمات، وان احد الأسباب لذلك سلاسة عملية التغيير ومحدودية الانتهاكات لحقوق الإنسان، وقد اختصرت أركان العدالة الانتقالية على تشكيل لجان الحقيقة والتعويضات.
الجيل الثالث : إن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافية في سنة 1993 شكل بداية جيل جديد من العدالة الانتقالية، إذ تجدد النزاعات أدى لتكرار حالات تطبيق العدالة الانتقالية مع تجاوز حالة الأخذ بمبدأ الحصانة ليصبح الاستثناء وليس القاعدة، وقد تم تشكيل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا في 1994، ثم في 1998، وتم إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وفي هذه المرحلة تتم الإحالة دائما إلى القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، واستلهام تجربة محاكمات نورمبرغ، ودخول ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ في عام 2004، وإقرار وجود المحكمة كآلية دائمة لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان. إن أهم ما يميز هذا الجيل من العدالة الانتقالية هو الجمع ما بين الآليات الدولية والمحلية لتحقيق أهداف العدالة الانتقالية.
على الرغم من أن العديد من الدول العربية قد شهدت تغيرات جذرية في نظمها الحاكمة، فإنها لم تشهد تجارب مكتملة لتطبيق مفهوم العدالة الانتقالية.
في المغرب تم تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة أواخر عام 2003 للتصدي لإرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، خاصة الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري للأشخاص، خلال المدة من عام 1956 إلى عام 1999، دام عمل هذه الهيئة عامين 2004-2005، باشرت الهيئة أعمالها في البحث والتحري لأكثر من 25000 ملف وقررت في شأنها جبر الضرر الفردية الخاصة ب 20000 ضحية أو ذويهم عند وفاتهم، وأشرفت على استخراج الرفات من قبور فردية وجماعية ونظمت جلسات استماع عمومية للضحايا، وأخرى للحوار حول قضايا الإصلاح والبناء الديمقراطي، وأصدرت في نهاية أعمالها تقريراً ختامياً من (750) صفحة احتوى على مجموعة من التوصيات، وقد تضمن الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 جميع التوصيات التي صدرت من الهيئة.
وبالنسبة لدول الربيع العربي ، وتحديداً تونس، مصر، ليبيا، واليمن، فهناك بعض الجهود التي تُبذل لتطبيق مفهوم العدالة الانتقالية، تدعمها في بعض الأحيان دول أو منظمات دولية تعمل على نشر الوعي بهذا المفهوم، وحث النظم الجديدة على الأخذ بآلياته. وقد أسفرت تلك الجهود عن إصدار لقوانين العدالة الانتقالية في تونس واليمن. بينما أصدر المجلس الوطني الانتقالي بليبيا، القانون رقم 17 لسنة 2012 بشأن إرساء قواعد المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.
وتعد تونس من أكثر الدول العربية تقدما بصفة عامة في إجراءات العدالة الانتقالية. فقد أسندت ملف حقوق الإنسان إلى وزارة مختصة ، هي "وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية". وتضمن برنامج عمل الحكومة المؤقتة بعد الثورة موضوع "العدالة الانتقالية" كإحدى الأولويات الأربع في عملها، كما أنشأت آلية خاصة لتعويض الضحايا وتأهيلهم، هي "صندوق شهداء وجرحي الثورة وضحايا ألاستبداد". ووفقا للمرسوم رقم 97 لسنة 2011
وفي مصر، وعلى الرغم من أن القوى الثورية والحكومات المتعاقبة التي أدارت شؤون البلاد بعد الثورة قد اتخذت بعض الإجراءات التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار في مصر ، فإنها لم تستوف كافة المعايير المتطلبة لتحقيق العدالة الانتقالية الناجزه. ومن أهم الإجراءات التي تم تبنيها ، والتي تتوافق مع مفهوم العدالة الانتقالية، تشكيل عدة لجان لتقصي الحقائق حول العديد من الأحداث المهمة والجسام التي اتسمت بالعنف في أنحاء عديدة في مصر إبان الثورة وعقبها، وكذا إنشاء المجلس القومي لرعاية أسر الشهداء ومصابي الثورة، مع وجود وزارة متخصصة للعدالة الانتقالية.
وبالحديث عن تجربة العدالة الانتقالية في العراق:
فان عملية التحول الديمقراطي في العراق وإجراءات العدالة الانتقالية التي انبثقت في خضمها،جاءت بفعل احتلال الولايات المتحدة للعراق وإسقاطها للنظام، وليس بتأثير حركة جماهيرية مدعومة من قوى سياسية ، كما هو في اغلب تجارب المجتمعات التي عاشت التحول الديمقراطي، حيث في العادة يكون للقوى السياسية المعارضة دور في تغيير النظام القائم ويكون لها المبادرة في مسك زمام عملية التحول الديمقراطي وبالتالي ضبط إجراءات العدالة الانتقالية وفق خطة متكاملة، وهذا ما لم يحدث في العراق، حيث تولت سلطة الائتلاف المؤقت لوحِدها لعب هذا الدور في ظل رأي عام دولي رافض للاحتلال وموقف إقليمي متوجس وعدائي لإفشال إغراضه، و غياب واضح لطبقة سياسية عراقية لها تماس وتأثير فاعل على مجرى الأحداث
وكان على سلطة الائتلاف المؤقتة الاستعانة بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان اللتين لهما خبرات عظيمة في المساهمة بتنفيذ إجراءات العدالة الانتقالية، بدل سياسية الانفراد وعدم مراعاة طبيعة المجتمع العراقي.


الباب الثالث

القول الفصل في سورية للعدالة الانتقالية

عندما يتم وقف إطلاق النار وتصمت أصوات المدافع  بشكل نهائي ، سيرفع الستار هول المأساة الإنسانية التي حلتبالشعب السوري ،  وستعلو صرخات المواطنين السوريين الغاضبة، ممن فقدوا أقاربهم وممتلكاتهم ، سيملؤون الطرقات مطالبين الحكم الجديدة بالكشف عن مصير أبنائهم المفقودين، والتعويض عن الأذى المادي والمعنوي الذي تعرضوا له في ممتلكاتهم وأرواحهم، و ترتفع أصوات الناس في المطالبة بالانتقام لهم من أولئك الذين تسببوا بمعاناتهم، ومحاكمتهم وإنزال العقاب المستحق بهم

عندها يمكننا القول بإمكانية وضع اللبنة الأولى للعدالة الانتقالية

ولكن مما لا شك فيه أن معوقات كبيرة ستعترض تطبيق فكرة العدالة الانتقالية في سورية، أكبر بكثير من تلك العقبات التي واجهتها جنوب أفريقيا على سبيل المثال ، فالإرادة الدولية مازالت غير جادة في وضع حد للنزاع في سورية كما كانت في جنوب أفريقيا، كما إن وجود شخصية ك {نيلسون مانديلا} ساعد على وقف الحرب، يضاف لذلك وجود مجتمع مدني لعب دوراً هاما في حماية السلم، هذه العوامل غير متوفرة في سورية،  ففي سورية لا يوجد مجتمع مدني يعول عليه في إرساء السلم الأهلي، يضاف لذلك التدخلات الأجنبية في سوريا وحجم الدمار في الأرواح والممتلكات وأعداد ضخمة من المهجرين والمعتقلين وتعدد القوى المعارضة وتشرذمها، كلها عوامل تشكل تحدياً هائلاً أمام وضع القضية السورية على سكة العدالة الانتقالية

ولكن يبقى العائق الأكبر هو الحالة المترهلة للجهاز القضائي في سورية ، حيث يتواجد أنواع مختلفة من القضاء في سورية فالمناطق الخاضعة لسيطرة النظام تطبق النظام الذي كان قائما قبل 11/3/2011  وفي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة فالحالة أكثر سوء فالبعض يطبق الشريعة والأخر يطبق القانون العربي الموحد والبعض .....

وبهذا الوضع القائم فهو غير قادر على  الاستجابة لصرخات الناس وبلسمة جراحهم التي خلفتها الحرب،فلابد لنا هنا من التفكير جديا بوسيلة غير تقليدية ، تساعد في إيجاد الحلول.. والمساعدة على تجاوز أثار تلك الحرب

فمن الممكن   بعد الاتفاق على خلع النظام الحالي وإقامة نظام حكم انتقالي، هو أن يبادر إلى إصدار إعلان دستوري يعقبه  تعليق العمل بالدستور الحالي، ووقف العمل بجميع القوانين والمحاكم الاستثنائية كالقانون 49 لعام 1980 وقانون إحداث محكمة الإرهاب ، بالإضافة لإلغاء العمل بالمحاكم التي أنشئت في مناطق سيطرة المعارضة، وإلغاء جميع القوانين التي تعرقل سير المرحلة الانتقالية. 

ويجب أن يتم التأكيد في الإعلان الدستوري عن إجراء إصلاحات لمؤسسات الدولة كمؤسسة الجيش والأمن وذلك على أسس وطنية بحتة ، و على إنشاء هيئة مستقلة “هيئة العدالة الانتقالية”. وللهيئة أن تستعين بمن تشاء من الخبراء والمختصين لمساعدتها  في إنجاز مهمتها في أسرع وقت ممكن، على أن يتم تحديد مهام هيئة العدالة بنص الإعلان بشكل واضح .

على أن يكون من ضمن أولوياتها 

أولا : إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي وكافة الذين اعتقلوا على خلفية الأحداث منذ تاريخ 15/3/2011

إنشاء محاكم لمحاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وملاحقة والقبض على المجرمين


ثانيا: تشكيل لجان للمصالحة الوطنية والسلم الأهلي،مهمتها الذهاب إلى المناطق التي شهدت اقتتالا أو نزاعات دينية أو طائفية أو قومية، وذلك من أجل تهدئة النفوس وإرساء السلم، ومنع حدوث عمليات انتقامية، وإعادة الثقة بين مكونات المجتمع

ثالثا: إحداث وإدارة صندوق للتعويضات للمتضررين  وتعطى الأولوية لذوي الضحايا والجرحى

رابعا: إنشاء مكتب خاص لتوثيق كافة المراحل التي مرّت بها البلاد، وتخليد ذكرى الأشخاص الذين قدموا حياتهم ومالهم من أجل مستقبل الوطن.

هذه أهم الخطوات التي نستطيع بعد البدء بتطبيقها القول بأننا بدأنا مشوار الألف خطوة نحو تحقيق العدالة والحرية والديمقراطية وسيادة القانون

من المؤكد أن الطريق أمامنا لن يكون مفروشا بالياسمين، وإن تطبيق فكرة العدالة الانتقالية في سورية لن يكون بالأمر السهل، وندرك أنه ستواجهنا مخاطر كثيرة وتحديات كبيرة في معالجة المآسي التي أصابت السوريين في أرواحهم وممتلكاتهم

   لذلك يتوجب علينا، أن نكون على قدر المسؤولية أمام الوطن وأبنائه ، والعمل منذ  الآن على وضع الأسس والمبادئ التي يجب أن ترتكز عليها فكرة تطبيق العدالة  بما يتناسب ومجتمعنا السوري كل من موقعه.    


الفصل الأول

واقع العدالة في سورية في ظل النظام الشمولي القائم

تعاقب على السوريين فترات زمنية متلاحقة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ،والإخفاء القسري والاعتقال التعسفي وغياب دولة القانون وسيادة منظومة بوليسية حكمت سورية منذ بداية سبعينيات القرن المنصرم 

أولى هذه الانتهاكات في العصر الحديث كانت في فترة ثمانينيات القرن العشرين حيث عانى السوريون كثيراً من النظام القمعي الذي كان حاكما في تلك الحقبة ، ومازالت ذاكرة السوريون تتناقل منذ ذلك الوقت تلك الانتهاكات والمجازر بسبب فظاعتها وما أفرزته على الواقع السياسي والديمقراطي والقانوني للبلاد 

ولعل عدم استطاعة محاسبة ومعاقبة من ارتكبوا تلك الانتهاكات والتجاوزات واحاتهم للقضاء وإعلاء مفهوم العدالة أوصل المجتمع والدولة لأن يرث السلطة نظام وريث لذلك النظام القمعي ولعله أشد وحشية من ذلك الذي سبقه .

فمنذ اندلاع الحراك الشعبي السلمي المطالب بالحرية والعدالة ودولة القانون ، في بدايات 2011 

انتهجت السلطات أفظع أنواع الانتهاكات لحقوق الإنسان ترافقت مع سوء استخدام وتجيير للقضاء مما افقد السلطات القضائية استقلالها ونزاهتها وقانونيتها التي كانت سابقا محل جدل بين القانونيين،بالإضافة لانتهاج السلطات القمعية الحاكمة حالياً في دمشق سياسة القتل والتصفيات الجسدية الجماعية والاعتقال التعسفي والتعذيب داخل المعتقلات الخارجة عن سلطة القانون

مما جعل تلك المعتقلات أشبه ما تكون لمراكز الاعتقال الجماعية التي أنشأها النظام النازي في ألمانيا أيام الحرب العالمية الثانية

وقد انتهج النظام الحاكم في دمشق ومازال سياسة التهجير على أساس طائفي وعرقي وديني ،مما أجبر الملايين على ترك منازلهم ومدنهم هرباً من بطش أجهزته القمعية.

وهذا يضع المنظمات والمؤسسات الحقوقية السورية بمختلف أطيافها أمام مسؤولية ضمان تحقيق العدل والإنصاف والعمل على كافة الصعد الداخلية والدولية لمحاكمة هذا النظام وأركانه ، مما يجعل من العدالة الانتقالية في سورية مطلباً وحاجة ملحة لجميع السوريين بمختلف أطيافهم وأعراقهم ودياناتهم للحفاظ على البنية الاجتماعية للدولة وقيام دولة القانون والديمقراطية والعدل

لأن العدالة هي المخرج الوحيد نحو المصالحة الوطنية الشاملة والتي دون تحقيقها ستكون سورية أمام مزيد من الانتهاكات والدماء والتي سيقف ورائها الشعور بالحاجة للانتقام للضحايا. 

وقبل البدء بالحديث عن الخطوات التي يتوجب اتخاذها للسير قدما نحو العدالة الانتقالية في سورية ، فعلينا إبراز العقبات والمعوقات التي تعترض تطبيق العدالة الانتقالية في سورية 


الفصل الثاني

معوقات البدء ببرنامج العدالة الانتقالية في سورية


مقارنة ببقية الدول التي عرفت انتفاضات شعبية فإن سورية تشكل استثناء كونها تحولت فيها الانتفاضة الشعبية السلمية إلى عمل مسلح وحرب أهلية وطائفية نتيجة الاستخدام المفرط للقوة من قبل النظام في رده على الاحتجاجات السلمية وميوله إلى عسكرة الحراك الشعبي السلمي ، كما شهدت سورية تدخلا عسكريا مباشرا من عدة دول {روسيا – إيران } وميليشيات مسلحة بدعم وتمويل من دول إقليمية ودولية {حزب الله اللبناني- لواء فاطميون الباكستاني- أبو الفضل العباس العراقي }

إلى جانب القوات الموالية للنظام.

أمام هذا الواقع الاستثنائي يصعب إنشاء منظومة للعدالة الانتقالية وذلك لعدة أسباب أبرزها

أولا: غياب الإرادة السياسية : حيث أن الحديث عن تحقيق عدالة انتقالية في سورية أمام تعنت النظام القائم وعدم رضوخه للقرارات الأممية ومجلس الأمن،وقبلهما الارادة الشعبية المطالبة برحيل النظام وزمرته الحاكمة، في تحقيق انتقال سلمي وحقيقي للسلطة 

ثانيا: تسخير النظام في سورية لمؤسسات الدولة الرسمية {القضائية-القانونية – الأمنية- الجيش} لخدمة أهدافه الطائفية في قمع الشعب 

ثالثا: عدم اقتصار انتهاكات حقوق الإنسان على قوات النظام والميليشيات الموالية له ، وإنما أضف إليها العديد من الجهات المنخرطة في الحرب السورية وتورطها في الجرائم ضد الإنسانية ، كالفصائل المحسوبة على قوى المعارضة      { تنظيم الدولة الإسلامية – اذرع القاعدة في سورية }

رابعا: فشل الأطراف المتنازعة في سورية في إحكام سيطرتها على الأوضاع الأمنية ، إضافة إلى تورط اغلب المؤسسات التابعة لأغلب تلك الجهات في العديد من الانتهاكات بما في ذلك استمرار الاعتقالات والاحتجاز غير القانوني والتعذيب والقتل خارج القانون ، مما يجعل الحديث عن هيئة أو لجنة للعدالة الانتقالية موضع شك مبرر.


خامسا: عدم وجود نهج تقني ملائم” لفهم جرائم النظام” : ولعل من أهم معوقات تحقيق العدالة الانتقالية، هو اختلاف تقنيات التحقيق في جرائم النظام، عن التقنيات المتعلقة بالجرائم العادية، حيث غالباً ما تكون الأولى “منظمة” يتم فيها تقسيم العمل بين المخططين والمنفذين، بالإضافة إلى وجود ترتيبات في بناء الجريمة وتنفيذها يجعل من العسير إثبات الصلة بين هذين المستويين، خاصة أن تلك الجرائم في كثير من الأحيان يتم ارتكابها من جانب كيانات رسمية، وغالباً بمشاركة أشخاص يتمتعون بقوة سياسية.

سادسا: عدم منح الحكومة السورية التراخيص اللازمة لتسهيل عمل أغلب المنظمات والهيئات القانونية والحقوقية المعنية برصد وتوثيق الانتهاكات لحقوق الإنسان . لذا، فإن تقاريرها تعتمد في أغلب الأحوال على مقابلات مع اللاجئين السوريين في الدول المجاورة، لكنها تعتمد أيضاً على المعلومات المستقاة من مصادر متنوعة على الأرض.


ثامنا:ضعف و هشاشة منظمات المجتمع المدني  في سورية بسبب السياسة القمعية التي كانت تعتمد على سياسة الحزب الواحد وإلغاء كافة منظمات المجتمع المدني وحصر النشاطات الشعبية بالاتحادات التي كانت تتبع للمخابرات السورية،مثال {الاتحاد النسائي العام- الاتحاد العام للفلاحين} والتي من المفروض أن تكون رديف لدور الدولة في العدالة الانتقالية  عبر إشراكها في صياغة الدستور ، ودورها الرئيس في رفع الوعي عند المواطنين لضرورة الالتزام بالقانون ومخاطر الانزلاق بحالات الانتقام الفردية التي لن تنتهي إلا بوجود محاكمات شرعية ذات مصداقية.


الفصل الثالث

إجراءات تحقيق النهج الشامل للعدالة الانتقالية في سورية

وإمكانية تطبيقها


إن طريق تحقيق إجراءات النهج الشامل للعدالة الانتقالية في سورية ليس سهلاً بل هو طريق طويل ومعقد ومتشعب. فدون التوصل إلى اتفاقية سلام تضمن التوقف الشامل للعنف والحفاظ على مؤسسات الدولة ،لا يمكن التأمل بتحقيق عدالة انتقالية شاملة تضمن الاعتراف بالضحايا من كل الأطراف وتُعزز الثقة بين أفراد المجتمع السوري على المدى القريب، ومن ثم تُحقق المصالحة وتُرسخ سيادة القانون على المدى البعيد.

يمكن البدء بالتنفيذ الناجح للنهج الشامل للعدالة الانتقالية في سورية في المرحلة الزمنية المستقبلية عندما تتوفر الشروط الثلاث التالية:

أولاً: أن يتم التوصل إلى اتفاقية سلام بين جميع الأطراف المتنازعة

ثانياً: أن يتم الحفاظ في سورية ما بعد النزاع على مؤسسات الدولة بحيث تكون هذه المؤسسات قادرة على تطبيق القانون في كامل الحيز الجغرافي للدولة السورية

ثالثاً: أن تقوم الدولة السورية المستقبلية بإجراءات إصلاحية واسعة ليس فقط لتحقيق العدالة الجنائية والسياسية ولكن أيضاً لتحقيق العدالة الاقتصادية بما يشمل ذلك من محاربة للفساد وتأمين فرص اقتصادية للمواطنين في المناطق المهمّشة والفقيرة والأكثر تضرراً من النزاع المسلح.


وبالانتقال للخطوات العملية الواجب انجازها للسير قدما في العدالة الانتقالية 

ونحن على بعد أسابيع قليلة على الذكرى الثامنة لبداية الصراع. سمعنا العديد من الدعوات من أجل العدالة. وقد بدلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة آراء العامة حول ما إذا كان يجب أن يبقى الأسد وإذا كان الأمر كذلك فإلى متى. وقد أصدر الكونغرس الأميركي قراراً يدعو لإنشاء محكمة لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم جسيمة. كما تبحث الحكومات الأخرى والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان عن خيارات مماثلة.

لا يشك أحد بأن الأسد ارتكب جرائم حرب واسعة النطاق وجرائم ضد الإنسانية . إن حقيقة أنه وشركاءه في القيادة العليا السورية، ضمن آخرين، يجب أن يواجهوا العدالة لابد أن يكون أمراً لا يرقى إليه الشك. ولكن بدلا من النظر إلى الخطوات العملية التي تجعل من السلام والعدالة محتملين، هناك ميل لاتخاذ مواقف مخادعة لملء فراغ عدم فعل شيء

عندما نتحدث عن العدالة فنحن بحاجة إلى أن نتذكر أنها تتكون من أكثر من التأكد بأن يحاسب الأسد.               فالعدالة تعني أيضا جعل سورية مكانا آمنا للعيش حيث يتمتع جميع مواطنيها باحترام وحماية الدولة. وهذا هو الأمر إنها تتطلب إصلاحا جذريا وفرعيا

بجانب الموت، هناك طريقتان فقط لذهاب الأسد:

إما أن يقرر أن يتنحى أو أن يجبر عن طريق المفاوضات أو العملية الديمقراطية على المغادرة.          

يتطلب الطريق الثاني عودة أعداد هائلة من عناصر المعارضة إلى سورية مع رؤية لمستقبل ديمقراطي وفرصة لممارسة الصوت المدني بشكل مجدي،الآفاق الممكنة الآن لمحاسبة الأسد عن جرائمه محدودة من الناحية النظرية، ولكن يمكن لقرار من مجلس الأمن للأمم المتحدة بإحالة الأسد إلى المحكمة الجنائية الدولية أن يكون إحدى الفرص المتاحة، ولكن بالتأكيد سوف يواجه بالنقض من قبل روسيا (وربما الصين) أي محكمة مخصصة دولية وهذا مايبدد هذا الاحتمال .

تكمن الخيارات المتبقية في نظام سوري جديد إما أن يُحَاكِم الأسد أو يُعلِن بأثر رجعي (إن كان الأسد قد غادر سورية) الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية. 

الطريق الأكثر قبولاً لمحاسبة الأسد عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية سيتطلب لعبة أطول من السعي إلى تغيير النظام عن طريق التفاوض بين السوريين بدلا من تغيير النظام (تحت أي ستار) من الخارج

وفيما يتعلق باحتمالات إصلاح أساسي ومطالب العدالة ينبغي أن يكون التركيز على اتخاذ خطوات لتسهيل العودة الآن، بدلا من التركيز على دعوات غير قابلة للتصديق بملاحقات قضائية قد تعوق في الحقيقة إمكانية السلام والعودة في المدى القصير

هناك خطوات هامة ينبغي اتخاذها الآن لضمان أن مرحلة ما بعد الصراع في سورية لديها فرصة لمستقبل أفضل من العديد من مناطق ما بعد الصراع الأخرى.

الأولى: هي التشاور بشكل فعال مع السكان المنفيين والمهجرين . يمكن للجهود أن تبدأ الآن في المناقشة والتوثيق لمحنة الناس بشأن العودة. من أين أتوا؟ من يسيطر على الأرض الآن؟ ما هي الخيارات التي لديهم وأيا من الخيارات الممكنة تلقى تفضيلا لديهم؟ بالطبع سيكون هذا عملية مؤلمة ومشحونة، ولكن إذا بدأت هذه العملية الآن سوف يكون النازحون قادرين على البدء في إعادة بناء حياتهم عاجلا وليس آجلا. أيضا ستسهل عملية تسجيل المعلومات عن الأراضي والممتلكات إمكانية قدرة الناس على التنظيم والتصويت بشكل سريع بعد عودتهم

ستكون المهمة الأكثر صعوبة هي مساعدة النازحين في محاولة إيجاد أفراد أسرهم، وكثيرا منهم قد اختفى أو قتل . يجب ألا يستهين أحد في تقدير الألم الذي تتطلبه عملية البحث عن الأحبة المفقودين. وقد تكون خطوة مهمة في مساعدة هذه الجهود إنشاء بنك للحمض النووي للمساعدة في تسهيل التعرف في الوقت المناسب، عندما تكتشف بقايا آدمية، وهكذا يمكن لأفراد الأسرة دفن أحبائهم مع بعض الكرامة والخصوصية

ثانيا: هناك الكثير مما يمكن فعله من الكميات الهائلة من الوثائق التي تم جمعها في السنوات الأخيرة من مناطق الصراع السورية بدلاً من مجرد انتظار المحكمة أو استحداث آلية أخرى. يجب توليف الوثائق وتحليلها. بل أنه قد يكون من المستطاع عقد جلسات استماع عامة حيثما يمكن للضحايا القدرة على سرد قصصهم مباشرة، دون وساطة من أحد. هذا ليس عدلاً، لكنه يملك بعض الفوائد الحقيقية. كما من شأنه أن يسمح للضحايا بالشعور أن لديهم قوة في التأثير على السياق الأوسع الذي تجري فيه المفاوضات، في محاولة للتأكد من أن التنازلات من أجل السلام تتبع عنصر المبدأ.


يعتمد الأسد على عدد من الأشياء في جهوده المستمرة في البقاء على قيد الحياة ومنصب الرئاسة:

بعض شكل من أشكال الدعم الروسي؛ الصراع المستمر مع داعش؛ عدم وجود معارضة واسعة النطاق منظمة بشكل جيد تركز على الديمقراطية.تسهيل عودة نصف السكان إلى ديارهم هو أقصر طريق لتقويض الاستقرار له وفي نهاية المطاف تَحْرِيض تبدل في الدعم الروسي.

و مع عدم وجود أي نهاية تلوح في الأفق. وتواصل المزاعم المنتظمة بارتكاب فظائع جماعية ضد كل من قوات الحكومة السورية وبعض جماعات المعارضة المسلحة، وإخفاق مجلس الأمن الدولي في تمرير مشروع قرار إحالة الوضع السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.

فان الخيارات الحالية لتحقيق العدالة على الجرائم المرتكبة في إطار القانون الدولي في سورية. وفي حين أن جدوى أبرز آليات العدالة المحكمة الجنائية الدولية ، فإن الاحتمالات البديلة  محدودة في الوقت الراهن لتأمين المساءلة في غياب إحالة من مجلس الأمن أو بعد العملية الانتقالية ما بعد النزاع في سورية 

تبقى خيارات المساءلة المحتملة للفترة التي تسبق المرحلة الانتقالية وتشمل هذه الخيارات: 

*طرق الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية دون الحصول على الإحالة من مجلس الأمن؛ وتأسيس محكمة خاصة أو محكمة مختلطة في إحدى دول الجوار أو في ‘منطقة آمنة’ في سوريا؛

*الملاحقة القضائية أمام محاكم وطنية أجنبية بموجب واحد من خمسة أشكال من الوالية القضائية خارج حدود الدولة

*الدعاوى المدنية عن الضرر أمام محاكم وطنية أجنبية

مع استبعاد التدخل العسكري أو ‘الإنساني’ والتدابير القسرية الأخرى على مستوى الدولة

تعتبر الخيارات المعروضة هنا خطوات نحو مسار العدالة وأساليب لتحقيق بعض المساءلة المحدودة أثناء النزاع.


الخلاصة :

لم يزل الشعب السوري التي اكتوى بنار الطغيان يتطلع لغد مشرق يسترد فيه حقوقه المنتهكة بإرادة ثورة الكرامة و الحرية  المحمولة على أجنحة الانتفاضة الشعبية أو حتى عبر الانتقال السلمي للسلطة تحت عنوان التحول الديمقراطي والإصلاح الشامل، لكن بعد أن  دفع أغلى التضحيات من دماءه ثمناً باهظا لهذا التحول

ومهما طال ليل الطغاة وظلمهم ، لابد أن ينقضي أمرهم  ليعلو عندئذ صوت العدالة و قيمها التي لا تطمس معالمها أو تجتث جذورها مهما طال عهد الطغاة.ولعل تحقيق مثلث الكرامة الإنسانية الذي يشتمل على الحق والمساواة والحرية، و نتاجهم العدل أقصى ما ينشده السوريون للخروج من نير الظلم والطغيان لاسترجاع حقوقهم وحماية أنفسهم من الانتهاكات الجسيمة حاضرا ومستقبلا، فهي أشبه ما تكون بالبرزخ  بين الماضي المرير والمستقبل المنشود، وهي في جهة أخرىمشروع ووسيلة لبناء مجتمع ديمقراطي  بعد سنوات طوال من الانتهاكات فهي ليست ترفاً وإنما هي الطريق الإجباري للعبور لبر الأمان في دول متحولة من حالة غياب القانون ومؤسسات الدولة إلى حالة الديمقراطية والتعددية وإعادة ترميم جسور الثقة بين المواطنين أنفسهم وبينهم وبين دولتهم ومؤسساتها، وآلية لاسترجاع الحقوق المسلوبة ، لنؤكد للشعوب المقهورة بان العدالة بتعدد أوجهها واختلاف مسمياتها سيكون لها أفق واحد هو استرجاع الحقوق وتكريس قيمها مهما طال عهد الظلم والاضطهاد

وأخيراً ليس آخراً: فإن تهيئة وإيجاد المناخ الملائم للمصالحة الوطنية وتطبيق العدالة الانتقالية في سورية يجنب البلاد المزيد من العنف والانتقام ويكون عاملاً في الاستقرار السياسي والانطلاق لبناء دولة ديمقراطية.


المصادر والمراجع

{1}المركز الدولي للعدالة الانتقالية

{2}مركز المجتمع المدني والديمقراطية CCSD

{3}OHCHR موقع الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 

{4}المركز السوري للعدالة والمساءلة

{5}أرشيف شؤون قانونية

{6}مختبر الدراسات الدولية حول إدارة الأزمات

{7}كتاب معضلات العدالة الانتقالية في التحول من دولة شمولية الى دولة ديمقراطية{الكاتب نويل كالهون}

{8} مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات.

{9}المركز السوري للعدالة والمساءلة . بحث ل {مارك لاتايمر}


.


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (1)
Sort by : Date | Likes

ضرورة 100% لكن في ظل تعنت المجتمع الدولي في السكوت عن ما يحدث في سوريا , ستبقى شبه مستحيلة