1309 عدد المشاهدات visibility
comment1 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ٢٨ ديسمبر، ٢٠١٧

الكاتب / المحامي علي محمّد شريف

مدخل 

" يفهم قضاء الأحداث على أنّه جزء لا يتجزأ من عملية التنمية الوطنية لكل بلد، ضمن إطار شامل من العدالة الاجتماعية لجميع الأحداث، بحيث يكون في الوقت نفسه عوناً على حماية صغار السنّ والحفاظ على نظام سلمي للمجتمع"[1]. 

المجرم الحدث هو طفل أو صغير السنّ تنسب إليه تهمة ارتكاب جرم أو ثبت ارتكابه له"[2] و"الطفل "هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشر[3]

يتعيّن تطبيق القواعد بنزاهة على جميع الأحداث دون أي تمييز من أي نوع[4].


مقدمة في ماهية البحث: 

تتجه جهود الدول وهيئات الأمم المتحدة منذ عقود، ضمن إطار القوانين والمواثيق والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، باتجاه مكافحة الجريمة والتصدّي لأسبابها، وخاصة لدى الأحداث، وقد أجريت كثير من البحوث المعمقة، وعقدت العديد من المؤتمرات وورشات العمل الإقليمية والدولية، واعتمدت عديد من الاتفاقيات والصكوك في هذا الشأن لما للجريمة من آثار خطيرة على الحياة والحقوق، ومن تهديد للأمن والاستقرار والسلم المجتمعي.

تتكامل "قواعد بكين" و"مبادئ الرياض التوجيهية" مع "قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم". لتشكل مجموعة من القواعد والمعايير الدوليّة الخاصّة بقضاء الأحداث توفر أساساً مرجعيّاً، غير ملزم، لسياسة اجتماعية وتشريعية هادفة تنطلق من مبادئ حماية الأحداث، وتنتهج السبل الوقائية والقضائية في أبعادها التربوية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتتوجّه إلى معالجة الانحراف أو الجنوح وأسبابه من خلال الإجراءات البديلة، ومستبعدة ما أمكن اللجوء إلى النظام القضائي تحقيقاً للمصلحة الفضلى للحدث. 

تتبدّى، أهميّة حماية الأحداث من كونهم أطفالاً ينتمون إلى ما يمكن تسميته بالمجتمعات الضعيفة ما يوجب حمايتهم وإشراكهم في التصدّي لاحتياجاتهم الخاصة، ووضع المزيد من القوانين الملزمة التي تكفل عدم تعرّضهم للانحراف والظلم، خاصّة وأنّ أطفال اليوم، هم الذين سيملؤون مواقع الكبار، ويكون منهم قادة المجتمع وصانعو القرار في المستقبل، ما يستدعي التعبئة الكاملة للموارد المجتمعية بغية التعامل مع الأحداث تعاملاً عادلاً ومنصفاً وإنسانياً[5].

يرمي هذا البحث إلىقراءة تحليلية وعرض للقواعد والمعايير والمبادئ الخاصة بقضاء الأحداث، تركّز على معايير حماية الأحداث أثناء التحقيق والمقاضاة، وخلال تنفيذ التدابير المقررة، وإلى محاولة الإجابة عن إمكانية وكيفية تطبيق القواعد والمعايير في قضاء الأحداث في سوريا ومعوّقاته حيثننظر إلى إصلاح قضاء الأحداث في سوريا على أنّه جزء من برنامج وطني أوسع يهدف لإصلاح القوانين والقضاء ومجمل منظومة العدالة على مستوى الدولة خاصة وأن سوريّا تمرّ بمرحلة نزاع مسلّح يفترض أن تفضي إلى مرحلة انتقالية وتغيير ديمقراطي شامل يطال بنى النظام السياسية والتشريعية والتربوية والاقتصادية وغيرها. 

أولاً - معايير حماية الأحداث أثناء التحقيق والمقاضاة:

  • - الإجراءات والأصول:

تعدّ الإجراءات الواجب اتباعها أثناء السير بالدعوى جزءاً جوهريّاً من ضمانات تحقيق العدالة ينبني على مخالفتها المسؤوليّة والبطلان. وبحسب القواعد الخاصة بقضاء الأحداث تُكفل في جميع المراحل ضماناتٌ إجرائية أساسية[6] ينبغي لها أن تساعد على تحقيق المصلحة القصوى للحدث، وأن تتم في جو من التفهم يتيح للحدث أن يشارك فيها وأن يعبر عن نفسه بحرية[7]

إنّ التعامل مع الحدث بصفته متهما يقيّد من حريته وينتقص من حقوقه لذا يجب ألاّ يستخدم الاحتجاز رهن المحاكمة إلاّ كملاذ أخير، ولأقصر فترة ممكنة[8]، وأن يستعاض عنه، ما أمكن ذلك، بإجراءات بديلة كالتسليم للأسرة أو المراقبة عن بعد[9]. وأن يُتجنّب التأخير في الإجراءات لغير الضرورة[10] وأن يخطر أولياء الحدث أو وصيّه فور القبض عليه[11]، وينظر في أمر الإفراج عنه دون تأخير[12]، وأن يُحترم مركزه القانوني وييسر رفاهه ويتفادى إيذاؤه[13].

ينبغي التحويل خارج النظام القضائي حيثما كان ذلك مناسباً، شريطة قبول الحدث أو والديه أو وصيّه، كأن تنقل الدعوى إلى مؤسسة دعم مجتمعي، أو أن يتم تحويلها منذ البداية، لعدم خطورتها، لتعالج من قبل المدرسة أو الأسرة[14]، ونظراً لتنوّع احتياجات الأحداث وتنوّع التدابير المتاحة تمنح سلطة تقديرية مناسبة ومسؤولة، للمدربين والمؤهلين تأهيلاً خاصاً، على مختلف مستويات إدارة شؤون قضايا الأحداث، وفي جميع مراحل الإجراءات[15].

ثمّ إنّ احترام خصوصية الحدث يقتضي السرية في الإجراءات وفي عدم نشر المعلومات وفي عدم المساس بما لا يتعلق بما نسب إليه[16].

ويشترط في أماكن الاحتجاز أن يراعي فيها متطلبات افتراض البراءة، ومدة الاحتجاز كأن يحصل على المشورة القانونية، وأن تتاح له متابعة التعليم أو فرصة العمل بأجر[17]. وفي كلّ الأحوال ينبغي الفصل بين الأحداث المحتجزين رهن المحاكمة، وبين الذين صدرت أحكام عليهم[18].

استطراداً، فإنّ مبدأ البراءة يعني ألاّ يساء للمتهم أو أن يوصم بالمجرم أو المنحرف وأن يفسّر الشك لمصلحته، وأن يقع عبء الإثبات على جهة الادعاء، وألاّ تمسّ حرية الحدث دون تدابير ضامنة ومنضبطة بنصّ القانون، وألاّ يتعرّض لأيّ تدبير إصلاحي قبل إدانته بحكم قضائيّ باتّ. 

أمّا حقّ الدفاع فهو يتضمن الحق في الصمت وفي تقديم المرافعات والدفوع، ومواجهة الخصوم والشهود واستئناف القرارات الماسة بالحرية، وفي الاعتراض والاستئناف والنقض.

  • - الأحكام والتدابير:

تفصل في قضايا الأحداث سلطة قضائية أو إدارية مختصة، ويجب أن تصدر قراراتها بناءً على تقصّ وتقييم سليمين لبيئة الحدث وظروفه، وللظروف التي رافقت ارتكابه الجريمة، ووفقاً لمبادئ المحاكمة المنصفة والعادلة[19].

تتنوّع التدابير التي يمكن أن تقررها السلطة المختصة بين وقف إجراءات الدعوى والمراقبة، والخدمة المجتمعية، والتعويض وردّ الحقوق، والامتثال للأنشطة الجماعيّة وبرامج الإرشاد، والمؤسسات التربوية، والرعاية الأسرية..، وبين التدابير شبه المؤسسية كالإلحاق بمراكز التدريب ودور التعليم التي تتمتع بحرية جزئية، وبين التدابير المؤسسية كالإيداع في المؤسسات الإصلاحيّة. 

يحظر الحكم بالإعدام أو إيقاع عقوبات جسدية مهما كانت خطورة الجرم، وينبغي حينها للقرار بالحرمان من الحرية الشخصية أن يكون التدبير الأخير إذا لم يكن من إجراء آخر مناسباً، ويستصوب هنا الإكثار من الإفراج المشروط والتبكير فيه، ولا يجوز العزل عن الإشراف الأبوي إلاّ لمصلحة الحدث.

وفي كلّ الأحوال يتعيّن على السلطة المختصة أن تسترشد في قراراتها بخير الطفل وباحتياجات ومصالح المجتمع[20].

ثانياً - معايير حماية الأحداث خلال تنفيذ التدابير: 

تتصف القواعد بالعموم حيث تشمل جميع أنواع وأشكال مرافق احتجاز الأحداث[21] ولا يحول تطبيقها دون ضرورة مراعاة وتطبيق الصكوك والمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان طالما أنها أكثر تحقيقاً لمصلحة الحدث[22].

وتنهض المؤسسات الإصلاحية بمهام حماية الأحداث وعلاجهم وتدريبهم، وتزودهم بالتعليم والمهارات المهنية كي يعودوا إلى مجتمعهم قادرين على البناء والإنتاج[23].

1 - القواعد الواجب تطبيقها أثناء الاحتجاز:

لا يجوز قبول الحدث في المرفق الاحتجازي دون أمر صحيح صادر عن سلطة مختصة، تدوّن تفاصيله في السجلّ المعدّ لذلك. ويحتفظ أيضاً بسجلّ كامل ومأمون يتضمن معلومات عن هوية الحدث، وواقعة الاحتجاز وسببه وسنده، ويوم وساعة الإدخال والنقل والإفراج، وتفاصيل الإشعارات المرسلة الى الوالدين أو أولياء الأمر المتعلقة بأوضاع الحدث والمستجدات المتصلة به[24].

يفهّم كل حدث نظام المؤسسة وحقوقه وواجباته، [25]وتنظم تقارير فيما يتصل بأحوال كل حدث وظروفه الشخصية وتقدم الى الإدارة. 

رفاه الحدث وحمايته ومعالجته أهداف تسعى القواعد لتحقيقها في جميع مراحل الإجراءات. لذا ينبغي لمؤسسات احتجاز الأحداث أن تكون ذات طابع غير مركزي وحجم يسهّل الاتصال بينهم وبين ذويهم، ويراعى في تصميمها ومرافقها متطلبات الصحة والسلامة والكرامة الإنسانية، وملاءمتها لغرض العلاج وإعادة التأهيل. لا يجوز الجمع بين الأحداث والبالغين إلاّ ضمن برنامج يفيد الحدث وفي ظروف خاضعة للمراقبة، وتوضع برامج وخطط إعادة التأهيل بناء على التقارير الطبية والنفسية والاجتماعية. لا يجوز نقل الأحداث تعسفاً، وفي حال النقل ينبغي ألا يتعرضوا للعناء أو المهانة.[26]

يراعى في ظروف الاحتجاز الحماية والسلامة وخير الحدث، وتقدم له الملابس الملائمة والغذاء الصحي وماء الشرب النظيف. وللحدث الحق في تلقي التعليم الملائم أو في متابعة دراسته خارج المؤسسة الاحتجازية.[27]

للحدث الحق في اختيار التدريب المهني الملائم وفق معايير تشغيل الأطفال وفي مزاولة العمل بأجر عادل، وتؤمن متعلقاته الشخصية ويحترم حقه في حيازة بعضها. 

توفر للحدث الرعاية الطبية البدنية والنفسية، والأماكن والتجهيزات للأنشطة الترويحية، والبرامج التدريبية بإشراف طبي ويسمح له باستيفاء حاجاته الدينية وممارسة شعائرها. وينبغي تزويد مؤسسة الاحتجاز بمكتبة ملائمة ويشجع الحدث على استخدامها.[28] 

ينبغي معالجة المرضى العقليين في مؤسسة متخصصة.[29]وفي حال حدوث تغيرات هامة في صحة الحدث أو الوفاة يخطر المدير أسرته أو وليه ولهؤلاء الاطلاع على شهادة الوفاة وتقرير التحقيق المستقل ورؤية الجثة وتحديد طريقة التصرف بها. كما يخطر الحدث بأي طارئ يقع في أسرته وينبغي أن تتاح له زيارتها. 

ينبغي توفير إمكانيات تواصل الحدث بالعالم الخارجي والاتصال بأسرته ومحاميه وبالأصدقاء وممثلي المنظمات وتمكينه من الاطلاع على الأخبار والبرامج الملائمة. 

يحظر اللجوء الى التقييد أو القوة إلا ضمن أضيق الحدود ولأقصر فترة ممكنة وبالنحو الذي لا يسبب الإذلال أو المهانة[30]. 

ينبغي للتدابير التأديبية أن تصون كرامة الحدث والإحساس بالعدل واحترام الذات والحقوق. وتحدد اللوائح السلوكَ المخالف ونوع الجزاء ومدته، والسلطات المختصة بالتظلم أو بإيقاع الجزاء. ويتاح للحدث الاستئناف لدى سلطة محايدة[31]. 

تقوم بالتفتيش على المرافق الاحتجازية هيئة مؤهلة ومستقلة يتاح لها الاطلاع والاتصال بالموظفين والأحداث دون رقابة، وتقييم كافة جوانب المؤسسة ومدى الالتزام بالقواعد والأنظمة، وكتابة تقرير بالنتائج والتوصيات. 

وللحدث الحق بتقديم الطلبات والشكاوى دون رقابة إلى الإدارة المركزية أو السلطة القضائية أو غيرها وأن يخطر بما تمّ بشأنها دون إبطاء وله أن يطلب مساعدة الأسرة أو المستشار القانوني أو غيرهم. يتعيّن بذل الجهود لإنشاء "ديوان مظالم" لتلقي وبحث الشكاوى والتوصل الى تسويات عادلة لها[32]. 

تكفل الإدارة سلامة اختيار وتعيين الموظفين المؤهلين والمتخصصين للقيام بواجبهم بفعالية واحترافية وإنصاف، والسعي إلى التقليل قدر الإمكان بين الحياة داخل المؤسسة وخارجها. وينبغي الاستفادة من جميع الإمكانيات المتاحة في المجتمع بما يتفق مع الاحتياجات الفردية للأحداث المحتجزين ومشكلاتهم[33]. 

تختم ملفات الأحداث عندما يطلق سراحهم ثم تتلف في الوقت المناسب[34]

2- القواعد المتعلقة بالرعاية اللاحقة وإعادة التأهيل:

تتبدّى المصلحة الفضلى للحدث في العودة الكريمة الفعّالة إلى الحياة الطبيعية وبذا تتحقق احتياجات المجتمع ومصالحه، ما يقتضي بذل الجهود لتزويد الأحداث بما يحتاجون اليه، وحشد وتفعيل جميع الموارد الممكنة التطوعية والمؤسسية في إطار التعاون المجتمعي، وما أمكن ضمن الوحدة الأسرية للمساهمة في إعادة التأهيل[35].

يستفيد جميع الأحداث دون تمييز من الترتيبات التي تستهدف مساعدتهم على العودة الى المجتمع أو الحياة الأسرية أو التعليم أو الوظيفة بعد إخلاء سبيلهم، وينبغي وضع إجراءات تشمل الإفراج المبكر وتنظيم دورات دراسية خاصة تحقيقاً لهذه الغاية[36]

إنّ مسؤولية تقديم وضمان تقديم الخدمات الرامية الى مساعدة الأحداث، والى الحدّ من التحيز ضدهم، تقع على السلطات المختصة، وينبغي أن تضمن للحدث، بالقدر الممكن، ما يلائمه من مسكن وعمل وملبس، وبما يكفي من أسباب العيش بعد إخلاء سبيله، لتسهيل اندماجه من جديد في المجتمع بنجاح. وينبغي استشارة ممثلي الهيئات والمراكز الداعمة وإتاحة اتصالهم بالأحداث المحتجزين لمساعدتهم في العودة الى المجتمع[37].

ثالثاً: إمكانية تطبيق المعاییر في قضاء الأحداث السوري

بالرغم من كونه، في حينه، خطوة تشريعية متقدّمة، إلاّ أنّ صدور قانون الأحداث الجانحين رقم 18 لعام 1974، أي بتاريخ يسبق اعتماد مجموعة القواعد والمعايير الخاصة بقضاء الأحداث، واتفاقية حقوق الطفل، يجعله قاصراً عن استيعاب، وتلبية أهداف حماية الأحداث واحتياجاتهم، ما يقتضي سنّ تشريعات ونظم حديثة تراعي القواعد والمعايير الدوليّة، وإيجاد هيئات وآليّات تضمن التطبيق والتنفيذ العملي لها، وهذا يستدعي استراتيجية للعدالة الاجتماعيّة تنمويّة وشاملة تضع حماية الطفولة والأسرة وتعزيز أمنها ورفاهها في ذروة أولوّياتها.

وتبدو مهمة إصلاح قضاء الأحداث في سوريا صعبة ومعقّدة في ظلّ معوقات عديدة نجمل أهمها فيما يلي:

أ - إرث طويل من الاستبداد وفساد طال إدارات الدولة ومؤسساتها بما فيها التشريعية والقضائية، وتحكّم للأجهزة الأمنية بمفاصل الدولة، وسيادة للقوانين والمحاكم الاستثنائية، وغياب للحريات ولمنظمات المجتمع المدني، وفشل في التنمية وبطالة وفقر وهجرة للعقول والطاقات.. 

ب - تبعات الحرب المدمّرة الدائرة في سوريا، وما حاق بالأطفال والشباب من اعتقال وتشريد ويُتْم وانقطاع عن التعليم وإساءة معاملة واستغلال..، وانعكاس كل ذلك عليهم نفسيّاً وتربويّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً، ما يخلق أوضاع استثنائية وبيئة هشّة تحمل في طيّاتها جملة من أسباب ودوافع الجنوح. 

ج - النتائج الكارثية للحرب على الأسرة والاقتصاد والبنى التحتية.. وإلحاح أولويّات إعادة الإعمار والأمن وتأمين متطلبات الحياة الضرورية.

د - وبنتيجة ما سبق الافتقار إلى الإمكانيات والموارد المادية والبشرية. 

مع ذلك فإنّ الواقعيّة لا ينبغي لها أن تصرفنا عن الضرورة، والضرورة تقتضي قيام مؤسسات وطنيّة راسخة تعيد للمجتمع عافيته وقدراته وتحقق له العدالة والأمن والاستقرار. لا يمكن بناء الدولة المتحضرة من دون إصلاح النظام القضائي والقوانين السورية حيث يأتي قضاء الأحداث في صلب هذا المشروع الاستراتيجي الوطني. 

يتطلب إيجاد قضاء للأحداث يلتزم القواعد والمعايير الدولية، ويراعي الظروف الاستثنائية في سورية سياسة تشريعية واجتماعية ملائمة، تنهض بمسؤوليتها هيئات متخصصة تُمنح سلطة تقديرية منضبطة، وتضمّ مشرعين وباحثين وخبراء قانون وقضاة وعلماء نفس واجتماع ومختصين تربويين وموظفين مؤهلين..، تقيّم الاحتياجات وتستلهم تجارب الدول الناجحة، ضمن إطار من الواقعيّة والتدرّجية والمرونة، بحيث تعتمد:

  • منهج وقائي 

يمكن لمبادئ الرياض التوجيهية أن تشكل دليلاً ومنهج عمل متكامل لاستراتيجية تتبع نهجاً إنسانياً إزاء المجتمع، يركز على الطفل ضمن سياسات تدرجية توفر الفرص وبخاصة للمعرّضين لمخاطر اجتماعية، وتعمل على تقليل الدوافع لارتكاب المخالفات، وإنشاء خدمات وبرامج تمنع الجنوح، وتضع خططاً وقائية شاملة، تتضافر فيها جهود الأجهزة الحكومية والأسرة والمجتمع المحلي والتعليم ووسائط الإعلام، ضمن سياسة اجتماعية تعطي أولوية للخطط والبرامج الخاصة بالأحداث تستند للبحوث العلمية الموثوقة بمشاركة فعالة للشباب وسياسة تشريعية تعزّز وتحمي حقوق الأطفال وما فيه خيرهم ومصلحتهم، وتمنع إيذاءهم وإساءة معاملتهم واستغلالهم واستخدامهم في أنشطة إجرامية[38].. 

  • منهج قضائي 

كذلك يمكن إحداث قضاء خاص بالأحداث يعزز المنهج الوقائي مسترشداً بـ"قواعد بكين" ومتضمناً لها، وقد عرضنا لهذه القواعد مطولاً في المحور الأول لهذا البحث.

أخيراً لا بدّ من التعاون والتنسيق على المستويين الإقليمي والدولي وتبادل الخبرات والمعلومات ووضع استراتيجيات الوقاية والحماية، ولا بدّ من الاستعانة بجهود الأمم المتحدة وهيئاتها ودعمها خاصة بما يتعلق ببناء قدرات الجهاز القضائي والإداري وتدريبه وتعزيز إمكانياته وتطويرها المستمرّ، كذلك ينبغي إحداث هيئة دعم ومساندة للدفاع عن الأحداث وحمايتهم من العمالة ومن سوء المعاملة أو الاستغلال. وإنشاء مكتب للمظالم يضمن وضعهم وحقوقهم ومصالحهم، ويقوم بالإشراف على تنفيذ مبادئ الرياض التوجيهية وقواعد "بيجين" وقواعد حماية الأحداث المجردين من حريتهم[39].

خاتمة

يمكن النظر إلى جنوح الحدث بوصفه تمرّداً على القيم والمنظومة الاجتماعية والسلوكية السائدة، ومحاولة لكسر المقدّس الأسري والتربوي والسياسي والثقافي رغبة في استبداله بنموذج يصنعه بنفسه أو يشارك بصنعه. لذا ينبغي أن يتمّ التعامل مع الحدث بوصفه مخطئاً لا مجرماً، متدرباً لا معاقباً، مشاركاً صانعاً لا خاضعاً، وألاّ يوصم بالمجرم أو المنحرف. كما ينبغي لقضاء الأحداث أن يكون أداة تغيير، وأن يتبنى الإجراءات البديلة أصالةً، وأن يؤكد نصّاً وممارسة على الدور الوطني التنموي المبدع الذي يضطلع به، وأن يتحوّل إلى مؤسسة للقيم والقواعد البانية، متخلياً عن صورته التقليدية الزجرية والعقابية. 

يستوجب قيام قضاء الأحداث بهذا الدور العلاجيّ والتأهيلي التعاون مع المؤسسات ذات الصلة، حكوميّة أو غير حكومية، والتنسيق معها، والاستعانة بالخبراء والاستشاريين من القطاع الخاص ومن الهيئات الإقليمية والدولية.

القواعد والمعايير الدولية لحماية الأحداث حصيلة توافقات الدول المشاركة في صياغتها، وهي تمثّل الحدّ الأدنى الواجب التقيد به في التشريع، وفي التطبيق والممارسة، ولا يحول ذلك من ضرورة تطبيق المبادئ والقواعد ذات الصلة الواردة في الصكوك والاتفاقيات والعهود الدولية والإقليمية الأخرى طالما أنّها تمنح نطاقاً أوسع يصبّ في صالح حماية الحدث[40]

إنّ مراعاة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة لكلّ دولة[41] لا تعني استخدامها مبرّراً لتجاهل هذه المعايير.

تحقيق العدل والانتصاف للمجتمع والضحيّة لا يتعارض مع مبدأ خير الطفل ومصلحته الفضلى الذي ينبغي أن تبنى عليه السياسات وتسنّ التشريعات، فالحدث الجانح هو أيضاً ضحيّة بمعنى ما لمفاهيم تربوية خاطئة، أو ربّما لظروفٍ من الفقر أو الاستغلال أو سوء المعاملة، ومن المؤكد أنّ عقاب الأحداث وزجّهم في بيئة قد تدفعهم للتمرّس في عالم الجريمة لا يحقق مصلحة المجتمع، بل إنّ إعادة تأهيلهم وتعليمهم وإدماجهم يغني المجتمع ويحقق السلم والازدهار، وهذا يستدعي تحقيق توازنٍ دقيق بين مصلحة الحدث وبين مصالح الأفراد والمجتمع.

وحيث إنّ المسؤوليّة تقوم على الإرادة الصادرة عن العقل المدرك والمميّز وهذا ما نفتقده تماماً في الطفل دون سنّ البلوغ، ما يوجب على المشرّع رفع سنّ الأهلية للمسؤولية الجزائية إلى الخامسة عشر وهو ما يتفق، في رأينا، مع مقتضى حماية الأحداث وغايته. 

كذلك نرى أن يكون قضاء الأحداث جماعياً وعلى درجتين بغض النظر عن ماهية الجرم، وأن يكون بكامل أجهزته وإداراته متخصصاً ومؤهلاً لمعالجة قضايا الأحداث، وأن يُسنّ قانون للإجراءات خاص بقضاء الأحداث يمكّن من تطبيق المعايير والقواعد الدولية بفعالية، وأن تخصّص له دائرة خاصّة تضمّ عدداً من الغرف المتخصصة في محكمة النقض.

ونجد أنّ من الضرورة بمكان تدريبُ القضاة وتأهيلهم ليس من الناحية القانونية فحسب، بل ومن الجوانب الاجتماعية والنفسية والتربوية، وإلى رفد قضاء الأحداث بالمختصّين النفسيين والتربويين، وبالمشرفين الاجتماعيين، وبالموظفين المؤهلين والمدربين أيضاً.

إنّ تعزيز رفاه الحدث والأسرة وتهيئة ظروف الحياة الهادفة، والقضاء على عمالة الأطفال أو استغلالهم أو إساءة معاملتهم، يضمن تنمية شخصية الحدث وتربيته بعيداً عن البيئة التي قد تعرضهم للجنوح، وهو ما يمثل المنهج الوقائي السليم الذي ينبغي للدولة أن تسعى لتحقيقه. 

ينبغي التأكيد على ضرورة أن يشارك الأحداث والشباب في رسم السياسات، ووضع الخطط، وصناعة القرارات، وفي كل الشؤون المتعلقة بمصيره ومستقبله.

أخيراً إنّ بناء مجتمع آمن ومستقرّ لا يعني الإذعان لمنظوماتٍ ثابتة وقيم غير قابلة للتطوّر، فالتغيير سمة الطبيعة وقانون البقاء، وهذا ما يجعلنا نؤمن بأنّ وجود نظام ديمقراطي يسمح بالتغيير يعدّ شرطاً لتطبيق القواعد والمعايير الدولية لقضاء الأحداث بشكل حقيقي وفعال.

[1]قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون قضايا الأحداث 1985 "قواعد بكين". ق1ـ4.

[2]ذات المصدر السابق ق2ـ2ج. 

[3]م1 اتفاقية حقوق الطفل"، ق11ـ أ قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم. 

[4]ق4 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم1990، ق2ف1قواعد بكين. 

[5]ق1ـ3 قواعد بكين.

[6]ق7ـ1قواعد بكين، ق17 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم. 

[7]ق14ـ2 قواعد بكين، م12ـ2 اتفاقية حقوق طفل. 

[8]ق13ـ1 قواعد بكين.

[9]ق13ـ2 قواعد بكين، ق2و17 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم. 

[10]ق20ـ1 قواعد بكين. 

[11]ق10ـ1 ، ق 10ـ2 ذات المصدر السابق. 

[12]ق10ـ1 ، ق 10ـ2 ذات المصدر السابق.

[13]ق10ـ3 قواعد بكين، ينظر أيضاً ق 93 من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، والفقرة الثالثة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

[14]ق11 ق6، ق8 قواعد بكين.

[15]ق11 ق6، ق8 قواعد بكين.

[16]ق11 ق6، ق8 قواعد بكين.

[17]ق18، ق17 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم.

[18]ق18، ق17 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم.

[19]- ق14ـ1، ق16 قواعد بكين.

[20]ق17و18و28 قواعد بكين، م 40ـ4 اتفاقية حقوق الطفل. 

[21]ق،15 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم

[22]ق9 ق27قواعد بكين، ق9 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم.

[23]ق26ـ1 قواعد بكين.

[24]ق20، 21 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم.

[25]ق23، 24 ذات المصدر السابق.

[26]ق26 إلى 32 ذات المصدر السابق.

[27]ق35 إلى 39 ذات المصدر السابق.

[28]ق41 إلى 49 ذات المصدر السابق.

[29]ق53 ذات المصدر السابق.

[30]ق 56 إلى 64 ذات المصدر السابق.

[31]ق66 إلى 70 ذات المصدر السابق.

[32]ق 70 إلى 77 ذات المصدر السابق.

[33]ق 81 ـ 82 ذات المصدر السابق.

[34]ق19قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم. 

[35]- ق24، 25 قواعد بكين.

[36]- ق79 ذات المصدر السابق.

[37]- ق80 قواعد بكين.

[38]م 1، 3، 5، 9، 45، 48، 50، 52، 53 من مبادئ الرياض التوجيهية 1988.

[39]م 57 من مبادئ الرياض التوجيهية.

[40]ق9 ق27. ق9 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم.

[41]ق1ـ5 قواعد بكين، ق16 قواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم، م8 مبادئ الرياض التوجيهية.


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (1)
Sort by : Date | Likes

بحث مميز و شامل - يلامس واقع الأحداث في سوريا -  يتضمن مخرجات  في غاية الاهمية .