1528 عدد المشاهدات visibility
comment0 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ٢٩ مايو، ٢٠١٩

النيابـة العامـة جهاز السلطة التنفيذية داخل السلطة القضائية

المحامي أســامة نجــار


ملخص تنفيذي

ــ يعتبر جهاز النيابة العامة في سوريا من ضمن الأجهزة التابعة للسلطة التنفيذية ( وزير العدل ) المادة 10 قانون أصول المحاكمات الجزائية . 
ــ النيابة العامة تابعة للسلطة التنفيذية بنص قانون أصول المحاكمات الجزائية ، إلا أن الدساتير السورية المتعاقبة تصفها بأنها مؤسسة قضائية .
ــ أعضاء النيابة العامة يحملون وصف قضاة .
ــ يخضع قضاة التحقيق و الصلح في بعض المراكز لمراقبة النائب العام ، و هذا يعتبر خرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات .

ــ النيابة العامة تقوم بدور المدعي العام أمام القضاء الجزائي ، و ذلك عندما يتم الاعتداء على المجتمع  ، هذا الدور يقوم به جهاز النيابة العامة بتفويض و نيابةً عن المجتمع ، كون المجتمع ليس باستطاعته أن يقيم دعواه و يباشرها بنفسه ، و هذه هي الوظيفة الأساسية لهذا الجهاز .
ــ تعتبر النيابة العامة جزءاً من تشكيل محكمة النقض و محاكم الجنايات و الاستئناف و ذاك حسب قانون السلطة القضائية – المادة 59 ، بغيابها يعتبر تشكيل المحكمة غير صحيح .
ــ النيابة العامة ترأس و تقوم بوظائف الضابطة العدلية ، و من ضمن موظفيها قضاة التحقيق و قضاة الصلح في المراكز التي لا يوجد فيها نيابة عامة ( مراكز النواحي الإدارية ) المادة 14 / 1 قانون أصول المحاكمات الجزائية
ــ تراقب النيابة العامة سير العدالة و تشرف على الدوائر القضائية و السجون و دور التوقيف و هذا ما يعتبر سيطرة من السلطة التنفيذية على الدوائر القضائية المادة 15 / 1 .
ــ تشرف النيابة العامة على الأعمال المتعلقة بنقود المحاكم .





مقدمة :

  تعتبر النيابة العامة من الأجهزة التي اختلف كثيراً حول طبيعتها و اختصاصاتها ، حيث يرجع السبب في ذلك إلى اختلاف رؤية الأنظمة القانونية حول تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية أم للسلطة القضائية أم للسلطتين معاً ؟
إلا أن الأنظمة القانونية اتفقت على كون النيابة العامة مفوضة عن المجتمع للقيام بمهمة تمثيله أمام المحاكم ( السلطة القضائية ) و ذلك عند الاعتداء عليه بجريمة معينة ، حيث تعتبر هذه الوظيفة هي الوظيفة الأساسية للنيابة العامة .

  إن الاختلاف و الحيرة في الرؤيا تظهر عند البحث بالوظائف الأخرى المنوطة بالنيابة العامة ، و هذا الاختلاف و الحيرة كان من أسبابه حسب بعض الرؤى اعتبار النيابة العامة جهاز من أجهزة السلطة التنفيذية و بعضها اعتبرها مؤسسة قضائية و أخرى وصفتها بأن لها شخصية مركبة أو مختلطة ، حيث تأخذ من القضاة بعض صفاتهم و مميزاتهم و تأخذ بتمثيلها عن المجتمع صفة الخصم ضد المدعى عليه بارتكاب جريمة .  
هذا اللغط حول النيابة العامة نجده في تشريعاتنا السورية ، حيث جاء في قانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 112 لعام 1950 الناظم الأساسي لعمل النيابة العامة ، في المادة 10 منه أن النيابة العامة تابعة لوزير العدل (( السلطة التنفيذية ))ثم وصفت أعضائها بأنهم قضاة !! ، كما أن الدستور وصفها كذلك بأنها (( مؤسسة قضائية )) !! .

   الحقيقة القانونية تقول أن النيابة العامة شعبة من شعب السلطة التنفيذية يرأسها وزير العدل ، و أعضاؤها ليسوا قضاة ، و أن وظائفها يجب أن لا تتجاوز مبدأ الفصل بين السلطات الثلاثة و أن لا تعطى بأي حال سلطات استثنائية ينتهك بها عدالة القضاء و حقوق الإنسان و كرامته . بالإضافة للحاجة لتعديل مواد قانون أصول المحاكمات الخاصة بالنيابة العامة بعد مرور أكثر من نصف قرن على إصداره . 

هذه هي الرؤيا و الغرض من هذا البحث ، بالإضافة لغاية أسمى و أجل و هي ضمان استقلالية السلطة القضائية و إزالة ما يعكر صفوة استقلالها من تدخلات السلطة التنفيذية و التي عملت هذه السلطة جاهدة لبقائها سيفاً مسلطاً على المنظومة القضائية . 

هذه الرؤية تهدف لبناء سوريا الغد بمؤسسات تحترم حقوق الإنسان و كرامة الإنسان و سيادة القانون .

ــ تعريف النيابة العامة في التشريع السوري :
لم ينص التشريع السوري على تعريف للنيابة العامة سوى ما ذكرته المادة 137 من دستور 1973 و دستور 2012 بأنها مؤسسة قضائية واحدة يرأسها وزير العدل و ينظم القانون وظيفتها و اختصاصها . [ 1 ]

هذا المسلك في التشريع السوري محل نقد فيما يخص طبيعة النيابة العامة ، كون هذا المسلك يؤدي لخرق مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية و القضائية و التنفيذية ، و ذلك بوصف النيابة العامة بالمؤسسة القضائية ، ثم ذكر أن الذي يترأسها هو وزير العدل ــ و هو تابع للسلطة التنفيذية ــ و هاتين الصفتين يصعب الجمع بينهما بجهاز واحد .

و كذلك وصفت المادة 10 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أعضاء النيابة العامة بأنهم قضاة ، و هذا الوصف بعيد جداً عن وصف أعضاء النيابة العامة ، حيث أن أعضاء النيابة العامة يفتقدون لأهم صفات القضاة ألا و هي الحياد و الاستقلال و النزاهة . و بالتالي يجب إعادة تعريف النيابة العامة من جديد في التشريع السوري ، لإزالة هذه الحيرة و الغموض في طبيعتها . [ 2 ]

   إن الحقيقة القانونية لأعضاء النيابة العامة هي أنهم منحازون ، و ذلك لكون النيابة العامة وكيل عن المجتمع ضد من أعتدى عليه بجريمة من الجرائم ، بالإضافة لكون أعضاء النيابة يخضعون لقاعدة التبعية و التدرج الرئاسي ، و هم يأتمرون بأوامر رؤسائهم وفق تسلسل درجاتهم الوظيفية و جميعهم يخضع للنائب العام و من ثم لوزير العدل ( السلطة التنفيذية ) . 

ــ الوظيفة الأصلية للنيابة العامة :
الأصل المتفق عليه أن النيابة العامة وكيلاً عن المجتمع ، و بموجب هذا التوكيل تقوم النيابة العامة بدورها كوكيل عن المجتمع المدعي أمام القضاء الجزائي ، فتقيم الدعوى العامة و تتابع سيرها حتى النهاية و ذلك بفرض العقاب على من اعتدى على المجتمع .

هذا هو الأصل لوظيفة النيابة العامة وهذا الذي نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون أصول المحاكمات الجزائية حين قالت : تختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام و مباشرتها ... و هذا ما نصت عليه كذلك المادة 58 من قانون السلطة القضائية . 

أما ما نصت عليه مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية و قانون السلطة القضائية بأن النيابة العامة جزء من تشكيل محكمة النقض و محاكم الجنايات و أن تغيبها عن تشكيل هذه المحاكم يؤدي لعدم صحة تشكيل هذه المحاكم ، فهذا ما يجب أن يعتبر خرقاً واسعاً لمبدأ فصل السلطات ، بالإضافة لكون هذه المواد غير مطابقة لمبادئ العدالة القضائية و لمبدأ الفصل بين وظائف الادعاء و التحقيق و المحاكمة . 

ــ تمثيل النيابة العامة لدى المحاكم في النظام القضائي السوري :
  إن تمثيل النيابة العامة لدى المحاكم في سوريا جاء مكرساً لتدخلات السلطة التنفيذية في الجسم القضائي ، و ذلك من خلال اعتبار النيابة العامة جزءا من تشكيل المحكمة ، و إذا ما تغيبت ، فإن الحكم الذي تصدره المحكمة و جميع الإجراءات التي تمت في غيبة النيابة العامة تكون مشوبة بالبطلان بداعي عدم صحة تشكيل تلك المحكمة . [ 3 ]

  هذا ما نص عليه كل من قانون أصول المحاكمات الجزائية بمواده ( 11 – 13 ) ، بالإضافة لقانون السلطة القضائية بالمادة ( 59 ) . 

هذا التمثيل للنيابة العامة لدى المحاكم أفقد المحاكم عدالتها و استقلالها و حيديتها و نزاهتها ، حيث أصبحت النيابة العامة في آن واحد خصماً و حكماً . فكيف للخصم أن يكون جزءا من تشكيل المحكمة ؟ 


  ــ تشكيلات النيابة العامة ذات الصفة القضائية : 

  تفرض النيابة العامة رقابتها و سلطتها على بعض الجهات التي تتبع السلطة القضائية و منهم قضاة التحقيق و قضاة الصلح في المراكز التي لا يوجد فيها نيابة عامة ، حيث جاء في المادة 14 ف 1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أن النائب العام هو رئيس الضابطة العدلية في منطقته . و يخضع لمراقبته جميع موظفي الضابطة العدلية بما فيهم قضاة التحقيق . و نصت المادة 7 من هذا القانون عن قيام قضاة الصلح في المراكز التي لا يوجد فيها نيابة عامة بوظائف الضابطة العدلية التي ترأسها النائب العام ، و في حال عدم تواجد قضاة تحقيق كما نصت المادة 167 

  هذا الاتجاه من المشرع السوري منتقد من جهة إخضاع جهة تتبع السلطة القضائية ــ قضاة التحقيق و قضاة الصلح ــ لمراقبة و إشراف النيابة العامة التي تتبع للسلطة التنفيذية ، و بالتالي يؤدي إلى هدم استقلالية العمل القضائي .

كان من الأولى بالمشرع السوري أن يضمن استقلالية عمل قضاة التحقيق و الصلح لا أن يفرض رقابة السلطة التنفيذية التي ليس من مبادئها استقلالية و حياد عمل موظفيها .

هذا المسار مما تتأذى به العدالة و يعتبر خرق لمبدأ الفصل بين وظائف الادعاء و التحقيق و المحاكمة الذي تخلى عنه المشرع السوري و لو تخلي جزئي ، حيث يعبر هذا المبدأ من أعظم المبادئ الذي يقوم عليها النظام القضائي ، و بالتالي كان من الأولى اعتماده في القوانين السورية و منها قانون أصول المحاكمات الجزائية .

حيث اعطي قضاة الصلح في بعض المراكز سلطة الادعاء و التحقيق و المحاكمة أي أصبحت جهة واحدة  لوحده مدعي و محقق و حكم ، كما أعطيت النيابة العامة في بعض الحالات ـ جرم مشهود أو الجنايات و الجنح الواقعة داخل المساكن ـ  سلطة قضاة التحقيق .


ـــ النيابة العامة و دعوى الحق العام : 
تختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام و ذلك أمام القضاء الجزائي و تباشرها و تتابعها حتى النهاية ، و هو ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون أصول المحاكمات الجزائية (( تختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام و مباشرتها ... )) . 
[ 4 ]
و النيابة العامة بموجب الرؤية القانونية هي مفوضة من قبل المجتمع للقيام بمهمة الادعاء بالحق العام و مباشرته ، و بالتالي لا يجوز لها أن تخرج عن هذا التفويض ، فهي لا تملك الدعوى العامة بعد إقامتها أمام القضاء المختص ، بل هي أمينة عليها .. و هذا ما نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة الأولى من قانون أصول المحاكمات الجزائية  (( و لا يجوز تركها أو وقفها أو تعطيل سيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون )) . 
[ 5 ]

و بالتالي لا يجوز للنيابة العامة بعد إقامتها لدعوى الحق العام أن تتنازل أو تتخلى أو تتصالح مع المدعى عليه مهما كانت الأسباب و الظروف .
إلا أن هذه الاتجاه الذي سلكه المشرع السوري أصبح متعارضاً مع كثير من المبادئ القضائية و منها المبادئ التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة و التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة و المعاملة المجرمين عام 1990 ، حيث نصت المادة رقم ثمانية عشر على أن يكون هناك بدائل عن الملاحقة القانونية (( يولي أعضاء النيابة العامة ... الاعتبار الواجب لإمكان صرف النظر عن الملاحقة القضائية و وقف الدعاوى ، ... )) 
[ 6 ] 
ــ النيابة العامة و الضابطة العدلية : 

يعتبر النائب العام هو رئيس الضابطة العدلية في منطقته ، و يخضع لمراقبته جميع موظفي الضابطة العدلية ،  و هذا ما نصت عليه المادة الرابعة عشر من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، و قد حدد هذا القانون أعضاء أو موظفي الضابطة العدلية على الشكل التالي :
  1- النائب العام و وكلاؤه و معاونوه ، أي جميع أعضاء النيابة .
  2- قضاة التحقيق .
3- قضاة الصلح في المراكز التي لا يوجد فيها نيابة عامة و قضاة تحقيق . 

  هذا ما ذكرته المادة السابعة من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، بالإضافة لجهات أخرى تساعد النائب العام في وظائف الضابطة العدلية ، ذكرت بالمادتين الثامنة و التاسعة من ذات القانون. 

  وقد حددت المادة السادسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية وظائف الضابطة العدلية باستقصاء الجرائم و جمع أدلتها و القبض على فاعليها و إحالتهم على المحاكم الموكول إليها أمر معاقبتهم . 

   جاءت هذه المواد لتبين أن الضابطة العدلية تعتبر جزء لا يتجزء من جهاز النيابة العامة ، حيث يخضع الجميع لمراقبتها بما فيهم قضاة التحقيق و قضاة الصلح في المراكز التي لا يوجد فيها نيابة عامة أو قضاة تحقيق 

  هذا الاتجاه الذي سلكه المشرع السوري بزج قضاة الصلح و قضاة التحقيق ـ بشكل أو بآخر ـ ضمن جهاز الضابطة العدلية و النيابة العامة و فرض الرقابة و توجيه التنبيهات عليهما من النيابة العامة يصطدم مع أبسط المبادئ القانونية و منها مبدأ الفصل بين السلطات و مبدأ الفصل بين وظائف الادعاء و التحقيق و المحاكمة و ما يترتب على ذلك من عدم احترام استقلال و حياد السلطة القضائية .حيث أن استقلال القضاة يستلزم أن يتمتع الموظفون المكلفون بمهام قضائية بالاستقلال التام عن أولئك المسؤولين عن مهام الادعاء العام . [ 7 ] 

ــ النيابة العامة لدى المحاكم :
  جاء قانون أصول المحاكمات الجزائية بنصوص تأكد أن النيابة العامة جزء من تشكيل المحاكم ، حيث تنص المادة الحادية عشر بفقرتها الأولى بأن يرأس النيابة العامة لدى محكمة النقض قاض يدعى ( النائب العام لدى محكمة النقض ) يعاونه وكيل أو أكثر . كما تنص المادة التاسعة و الخمسون من قانون السلطة القضائية بأنه على قضاة النيابة حضور الجلسات أمام المحاكم الاستئنافية الجزائية و الجنائية و لهم حضورها أمام المحاكم الابتدائية ... )
  يتضح من هذه المواد أن تمثيل النيابة العامة أمام المحاكم الجزائية و حضور جلساتها أمر إلزامي و ضروري و ذلك أمام محكمة النقض و محاكم الجنايات و الاستئناف ، أما أن تعتبر النيابة العامة جزءا من تشكيل المحكمة ، و إذا ما تغيبت فإن الحكم الذي يصدر و جميع الإجراءات التي تمت بغيبتها تكون مشوبة بالبطلان لعدم صحة تشكيل المحكمة فهذا يعتبر خرقاً واضحاً لمبدأ الفصل بين السلطات .

فكيف للنيابة العامة و هي جهة تمثل المجتمع في الدفاع عن أمنه و هي في سبيل ذلك تحرك الدعوى العامة و تقوم بدور المدعي في مواجهة المدعى عليه فتصبح له بمثابة الخصم ، أن تكون ضمن تشكيل المحكمة التي يجب عليها أن تساوي بين أطراف الدعوى و تعدل بينهما لا أن تنحاز لجهة الادعاء العام ضد الطرف الآخر .
ــ النيابة العامة و وظائفها الأخرى :
إلى جانب الوظيفة الأساسية للنيابة العامة ، فإن المشرع السوري كلفها بوظائف أخرى ، حيث ذكرت المادة الخامسة عشر من قانون أصول المحاكمات الجزائية بعض هذه الوظائف و أهمها :
    ـ مراقبة النيابة العامة لسير العدالة .
   ـ الإشراف على الدوائر القضائية و السجون و دور التوقيف .
ـ ممارسة الإدارة العدلية 

  هذه الوظائف التي أعطيت للنيابة العامة تعتبر خارجة عن طبيعتها القانونية ، حيث كيف لجهة تابعة للسلطة التنفيذية أن تراقب سير العدالة و تشرف على الدوائر القضائية و السجون و دور التوقيف و تمارس الأمور الإدارية للمحاكم و بذلك تكون قد سلبت من السلطة القضائية أهم أعمالها ذات الصبغة القضائية ، و بإعطاء هذه الوظائف للنيابة العامة ستكون السلطة القضائية قد فقدت استقلاليتها و أصبحت خاضعة لأوامر السلطة التنفيذية ، و بالتالي لم يبق لاستقلال و حياد القضاء أي وجود ، و لم يبق للمجلس القضائي الأعلى أي دور في مراقبة سير العدالة و الاشراف على الدوائر القضائية و إدارتها .

   و بالتالي إعطاء النيابة العامة صلاحيات و وظائف قضائية يعتبر خروج غير مبرر لصلاحياتها و مهامها الأساسية ، و اعتداء على السلطة القضائية . حيث أنه لا يمكن حسب المبادئ الدستورية و القانونية أن تجمع النيابة العامة بين وظيفتها الأساسية بتمثيل المجتمع و بين بقية الوظائف التي تعتبر ذات طبيعة قضائية بحتة . 

و هذا أخطر ما يهدد استقلالية السلطة القضائية و يؤدي إلى فقدان الثقة العامة بعدالة القضاء و نزاهته عندما يروا أن وظائف السلطة القضائية أصبحت تحت مراقبة و إشراف أجهزة تابعة للسلطة التنفيذية . 

و لهذا و لضمان مبدأ الفصل بين السلطات و اعتبار أن استقلال القضاء يهدف إلى إقامة العدل و إيصال الحقوق إلى أهلها بدون أي تدخلات للسلطات الأخرى ، بالإضافة لكونه أحدى مرتكزات بناء دولة القانون التي يتمناها الجميع ، يجب أن تنحصر مهام و وظائف النيابة العامة ضمن وظائف تعزز العدالة و تحمي المجتمع بمحافظتها على الحقوق و الحريات و ذلك بالتعاون مع السلطة القضائية و ليس بالمراقبة و الإشراف عليها .

و بالتالي يجب أن تكون اختصاصات و وظائف النيابة العامة لا تتعدى : 
ـ التحقيق الأولي في الجرائم التي تمس المجتمع ، ( البحث الأولي ) و الذي يسبق إقامة الدعوى العامة .
ـ التصرف في التحقيق الأولي بإقامة الدعوى أو حفظها طبقاً لما تحدده القوانين الخاصة بذلك .
ـ إقامة الدعوى و مباشرتها أمام الجهات القضائية .
ـ استئناف القرارات و الطعن بها .
ـ الإشراف على تنفيذ الأحكام الجزائية بصفتها تابعة للسلطة التنفيذية . 

ــ السلطات الاستثنائية للنيابة العامة أثناء الجرم المشهود : 

أعطى المشرع السوري للنيابة العامة سلطات خارجة عن القواعد القانونية و قواعد العدالة ، و هذه السلطات أدت إلى خرق مبدأ الفصل بين وظائف الادعاء و التحقيق و المحاكمة ، حيث أعطيت الضابطة العدلية التابعة للنيابة العامة سلطات تشمل القيام ببعض الاعمال التي هي من الاختصاصات القضائية ، و كان التبرير لذلك أن وقوع الجرائم تحت سمع و بصر موظفيها يمنحها سلطات قضائية مثل اصدار مذكرات القبض و الإحضار و غيرها من الصلاحيات .

ــ سلطات النيابة العامة في الجنايات المشهودة : 

ـ منع الحاضرين من الابتعاد : حيث أعطي للنائب العام في مكان الجناية سلطة منع أي شخص موجود في البيت أو مكان وقع الجريمة من الخروج منه أو الابتعاد عنه ، حتى يتم تنظيم محضر بتثبيت حالة المكان و الجريمة و الأشخاص، و من يخالف المنع يوضع في محل التوقيف ثم يحضر لدى قاضي التحقيق لمحاكمته و الحكم عليه . [ 8 ]

  هذه السلطات تعتبر متناقضة مع المبادئ القانونية المتعارف عليها ، حيث أن المنع المفروض على الأشخاص يعتبر من الإجراءات القضائية نظراً لاعتباره يشكل قيداً على حرية الأفراد ، و بالتالي لا يجوز فرضها من غير الجهات القضائية ، هذا بالإضافة لتجاوز سلطات قاضي التحقيق ، حيث اعطي سلطة الحكم على من يخالف قرار المنع و هذا مخالف لمبدأ الفصل بين وظيفة التحقيق و الحكم . 

ـ القبض على فاعل الجناية المشهودة : حيث أعطي للنائب العام سلطة الامر بالقبض على كل شخص من الحضور يستدل بالقرائن القوية على أنه الفاعل ، و إذا لم يكن الشخص حاضراً يحق للنائب العام إصدار أمر بإحضاره عن طريق مذكرة إحضار و ما ينتج عنها من استجوابه من قبل النائب العام . و أكثر من ذلك ما نصت عليه المادة 112 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن : من وجد في حال الجرم المشهود أو ما هو بحكم الجرم المشهود و كان الفعل جناية فلا يحتاج القبض عليه إلى مذكرة إحضار ، و على كل شخص من موظفي الحكومة و عامة الناس أياً كان أن يقبض عليه و أن يحضره أمام النائب العام . 

كما أن قانون العقوبات العسكري بمادته رقم 55 أعطت النائب العام العسكري حق إصدار مذكرات الإحضار و التوقيف . 

و هنا يلزم التفرقة بين القبض و التوقيف : فالقبض هو حجز لحرية الشخص الذي قامت به قرائن قوية على أنه فاعل الجرم ، و هو إجراء مؤقت بهدف جمع الأدلة بحيث لا يجوز أن تتجاوز مدته بأي حال الأربع و العشرين ساعة ، و ينتهي حكمه بوصول المقبوض عليه إلى يد القضاء الذي له الحق في اتخاذ قرار بتوقيفه ..
أما التوقيف فلا يكون إلا بمذكرة صادرة عن قاضي التحقيق أو قاضي الصلح في المراكز التي لا يوجد فيها قضاة

[ 9 ] 
ـ تفتيش المدعى عليه ( المشتبه به ) و تفتيش مسكنه :

المادة 33 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أجازت للنيابة العامة إذا كانت الجناية مشهودة أن تنتقل حالاً إلى مسكن المدعى عليه ( المشتبه به ) للتفتيش ..

هذه الصلاحية تعتبر متناقضة مع المبادئ القانونية و الدستورية المتعارف عليها ، حيث أن دخول المنازل و تفتيشها هو عمل من أعمال التحقيق الإبتدائي لا يباشره سوى قاضي التحقيق ، كما أن الدستور أعتبر أن المساكن مصونة [ 10 ]، و بالتالي فإن كون الجناية مشهودة لا يبرر خرق لتلك القاعدة و نص الدستور بإعطاء النيابة العامة هذه الصلاحية . 
ــ سلطات النيابة العامة في الجنح المشهودة : 

نصت المادة 231 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن : من قبض عليه بجنحة مشهودة احضر أمام النائب العام فيستجوبه و يحيله موقوفاً عند الاقتضاء على المحكمة الصلحية أو البدائية المختصة ليحاكم لديها في الحال .

نضيف لما قلناه سابقاً أن النيابة العامة في الحنح المشهودة أعطيت حق إصدار مذكرات التوقيف ، و هذا الحق لا تملكه في الجنايات المشهودة ، فكيف أعطيت هذا الحق في الجنح و هي دون الجنايات ؟ و هذا ما يعتبر تناقض بمواد قانون أصول المحاكمات الجزائية و تباين بصلاحيات النيابة العامة .

كما أن القانون لم يذكر مبرراً لإعطاء هذا الحق ، خاصةً أن إصدار مذكرة التوقيف ليست بالإجراء العاجل ليعطى للنائب العام ، حيث أنه إذا خيف من تداعيات جرم ما فإن إحضار ( المشتبه به ) أمام قضاء التحقيق ليقوم باستجوابه و إصدار مذكرة توقيف بحقه إذا كان لها من لزوم ، كان الإجراء الأمثل لاستمرار العدالة .

نتائج و مقترحات:

أن مرور أكثر من نصف قرن على إصدار قانون أصول المحاكمات الجزائية و بدون أن تحدث أي تعديلات جوهرة على مواده جعله قانون بعيد عن التطور الذي حدث للمنظومة القضائية في العالم و التي غاب عنها المنظومة القضائية و القانونية في سوريا .

إن المنظومة القضائية و القانونية في سوريا لها حق علينا نحن المحامون بوصفنا أحد جناحي العدالة ، بالإضافة لالتزامنا اتجاه الإنسان بالدفاع عنه وعن حقوقه .

لذلك نقدم بعض المقترحات في سبيل تطوير و تحديث المنظومة القضائية و القانونية في سوريا الغد :
ــ فيما يتعلق بثقافة المجتمع السوري : 

ــ تعزيز ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع السوري و منها الحق بمحاكمة عادلة للجميع - كمرحلة أولى - للحد من الانتهاكات التي تمارس بحقهم ، لكي تصبح حقوق الإنسان - بمرحلة تالية - جزء من الثقافة المترسخة عند السوريين .

ــ فيما يتعلق بالنيابة العامة 

ـ تشكيل لجنة قانونية مهمتها وضع مشروع جديد لقانون أصول المحاكمات الجزائية ، تعتمد المعايير الدولية و قواعد العدالة في مواده ليصار إلى إقراره وإصداره فيما بعد .

ـ اعتبار النيابة العامة جهة تابعة للسلطة التنفيذية و ليست جهة قضائية .

ـ تحديد اختصاصات النيابة العامة بشكل يضمن الفصل بين وظائف السلطتين التنفيذية و القضائية .
ـ عدم إعطاء وظائف استثنائية للنيابة العامة في الجرائم المشهودة و غيرها، كون ذلك يهدد و يخرق المبادئ القضائية و قواعد العدالة .
ـ عدم إعطاء وصف القضاة لممثلي النيابة العامة ، و اعتبارهم موظفون تابعون لوزارة العدل .
ـ إلغاء اعتبار أن تكون النيابة العامة جزء من تشكل المحاكم الجزائية على مختلف درجاتها ، و معاملتها باعتبارها طرف من أطراف الدعوى و هذا من ضمن استقلال الجهاز القضائي .
ـ إلغاء اعتبار قضاة الصلح و التحقيق من ضمن الضابطة العدلية التي يترأسها النائب العام .

ــ فيما يتعلق بالنظام القانوني و القضائي : 

ـ العمل على أن ينص الدستور القادم لسوريا على ما يلي : 

ـ  أن تلتزم السلطة التشريعية بإصدارها للقوانين بالمعايير الدولية و المحلية و احترام حقوق الإنسان .

ـ وصف النيابة العامة بأنها جهاز ادعاء عام تابع إدارياً لوزارة العدل و ليس مؤسسة قضائية .

ـ النص على مبدأ الفصل بين وظائف الملاحقة و التحقيق و المحاكمة و بالتالي إعطائه صفة دستورية تلتزم القوانين بها . 

الاستنتاج 

إن إعطاء صلاحيات للنيابة العامة كتلك المنصوص عنها بقانون أصول المحاكمات الجزائية الحالي ، يعطيها الصلاحية بالتدخل بأعمال السلطة القضائية ، و هذا ما يفقد السلطة القضائية استقلالها و حيديتها و نزاهتها ، بالإضافة لكونه سبباً لوجود انتهاكات لحقوق الإنسان و بالتالي وجود محاكمات لا تتفق مع المعايير الدولية للمحاكمات العادلة ، و سيؤدي ذلك بالنتيجة إلى انعدام الثقة النظام القضائي الموجود .

إن مرور أكثر من نصف قرن على قانون أصول المحاكمات الجزائية ، أصبح بحاجة لإعادة النظر به جذريا كونه يتضمن أحكاماً متناثرة أو متكررة و غامضة أو مختلفاً عليها أو مخالفة للمبادئ القضائية ، منها ما يتعلق بطرق الاثبات و أحكام التفتيش و الضبط ، و منها ما يتعلق بصلاحيات و تبعية النيابة العامة و غيرها. 

و بالتالي أصبح من الواجب العمل على تشكيل لجنة قانونية للعمل على مشروع قانون جديد لقانون أصول المحاكمات الجزائية في سبيل تطوير و تحديث القوانين في سوريا الغد .


المصادر

[1] المادة 137 من دستور 1973 و دستور 2012  

[2] قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري رقم 112/ 1950 مادة 10 / ف  1 و 2 

[3] قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري رقم 112/ 1950 مادة 11 و 12 

[4] كتاب شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الجزء الأول ص 45 للدكتور حسن جوخدار .

[5] نفس المرجع و الصفحة .

[6] المادة 18 من المبادئ التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة و التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة و المعاملة المجرمين عام 1990

[7] دليل المحاكمة العادلة ص 111 الطبعة العربية الثانية  الصادر عن منظمة العفو الدولية بتاريخ 2014 برقم وثيقةPOL 30/002/2014 Arabic

[8] قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري رقم 112/ 1950 مادة 31

[9] كتاب شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الجزء الثاني ص 30-31 للدكتور حسن جوخدار 

[10] المادة 36 من دستور 2012 











           


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (0)
Sort by : Date | Likes