254 عدد المشاهدات visibility
comment0 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ١٣ مايو، ٢٠١٩

الضمانات الدستورية للحقوق الأساسية

الباحثة نور دله


ملخص البحث:

تتضمن غالبية دساتير دول العالم اليوم، إن لم نقل جميعها، أحكام تتعلق باحترام الحقوق الأساسية للإنسان في مختلف المجالات. هذه الحماية كرست على المستوى الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٤٨، إضافةً للعهدين الدوليين لعام ١٩٦٦ (العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) والمؤتمر العالمي لحقوق الانسان في فيينا عام ١٩٩٣.

بالتأكيد إن الأحكام المتعلقة بحقوق الإنسان ليست من اختراعات عصرنا، حيث يمكننا تتبع أولى آثارها في قوانين حمورابي مروراً بالعصور الوسطى ونهايات القرن الثامن عشر، فعند قيام الثورة الفرنسية أقرت الجمعية التأسيسية الوطنية عام ١٧٨٩ إعلان حقوق الإنسان والمواطن (الذي تم التأكيد عليه في ديباجة الدستور الفرنسي الصادر عام ١٩٥٨، والذي بموجب اجتهادات مجلس الدولة والمجلس الدستوري أُعطيت القيمة الدستورية للمبادئ والأحكام الواردة في هذا الإعلان، وبالتالي ضمانة لاحترامه)[1].

لا شك بأن هذا الوجه من الحماية المتمثل في كتابة نصوص تؤكد على حقوق الأفراد وتضمينها في الدساتير والمواثيق الدولية هو أمر في غاية الأهمية، لكنه غير كافٍ بحد ذاته، حيث أنه رغم كل هذا التطور عبر التاريخ نجد قلة من الدول تحترم ما جاءت به هذه النصوص بصورة فعلية.

إن ما يفرق دولة تحترم وتلتزم بما وقعت عليه من معاهدات دولية وبما جاء من نصوص في دستورها عن دولة تسود فيها الفوضى والاستخفاف بحقوق الأفراد وحرياتهم حيث لا قيمة للنصوص الدستورية والالتزامات الدولية، هو وجود آليات وإجراءات فعالة لإنفاذ هذه النصوص والالتزامات، والتي تتمثل بوجود جهاز قضائي مستقل يضمن سلامة احترام هذه الحقوق والحريات، من خلال تأمين معايير المحاكمة العادلة.

لذلك ولضمان إقامة هذه الآليات والإجراءات الفعالة وضمان استمراريته، نحن بحاجة ملحة أن نحاول سبر تجارب بعض الدول (ألمانيا، إسبانيا...) التي مرت بأزمات شبيهة بالأزمة السورية من انتهاكات فاضحة لحقوق الأفراد، والاستفادة مما قامت به لإعادة الاستقرار وسيادة القانون، ووضع حد للجرائم التي ارتكبت وترتكب بحق المواطن السوري.

المقدمة:

لطالما كان موضوع الحقوق الأساسية للإنسان وكيفية حمايتها من أكثر المواضيع مناقشة، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي. وهذا الوضع ازداد بشكل ملحوظ بعد الحرب العالمية الثانية بعد تأسيس الأمم المتحدة وإصدار العديد من المواثيق الدولية في هذا الإطار، حيث أن المجتمع الدولي وجد نفسه بحاجة إلى وضع أسس واضحة تحدد بشكل صريح الحقوق الأساسية للأفراد وحرياتهم، وتقدم آليات لحمايتها ضد أي عمل يرتكب ويمس بها. هذه الضمانات الموجودة على المستوى الدولي لم تصل بالطبع إلى النتيجة المرجوة منها، فالانتهاكات مازالت ترتكب في الكثير من الدول وفي مقدمتها سورية. فمهما وجد من آليات ووسائل دولية تهدف إلى تحقيق نوع من الحماية وإيجاد توافق دولياً في هذا المجال، ففي نهاية المطاف المعول عليه هي الحماية المتوفرة على المستوى الداخلي لكل دولة، والمنصوص عليها في الدساتير والقوانين، والتي يفترض ضمانه وإنفاذها من خلال الجهات القضائية المستقلة.

اليوم معظم، إن لم نقل كافة، الدساتير تتضمن نصوصاً تؤكد على الحقوق والحريات وتقدم للأفراد وسائل وآليات متعددة لحمايتها، ومع ذلك النص بذاته غير كاف لتحقيق هذه الحماية، فالدستور السوري، كالدستور الفرنسي أو الألماني أو غيره، ينص على هذه الحقوق ويقدم ضمانات لاحترامها، لكن إذا ما قارنا الوضع على أمر الواقع لوجدنا بالطبع أن مستوى الاحترام للحقوق الأساسية والمطبق بشكل فعّال في فرنسا أو ألمانيا ليس نفسه في سورية، حيث إن النص على هذه الحقوق والحريات، ليست سوى حروف ميتة، ليس لها أي قيمة قانونية فعلية.

لذلك سنركز في بحثنا حول كيفية ضمان إنفاذ الضمانات المتعلقة بحقوق الإنسان بصورة فعلية، حيث أننا سنبين بدايةً مضمون هذه الحقوق والحريات، قبل أن نبحث عن الآليات القضائية الفعلية (وبالتحديد الرقابة على دستورية القوانين، والرقابة القضائية على مشروعية أعمال السلطة التنفيذية/الإدارة الحكومية) والتي تجعل من هذه النصوص المقرّة دولياً ودستورياً ذات قيمة حقيقية، وذلك بالاستفادة من تجارب الدول التي مرت بأزمات مشابهة للأزمة التي تمر بها سورية اليوم.

أولاً: مضمون الحقوق الأساسية للإنسان:

يمكننا تتبع حقوق الإنسان عبر التاريخ من قانون حمورابي إلى يومنا هذا ولكن لغايات بحثنا سنهتم بالحديث عن التاريخ الحديث منذ نشأت الأمم المتحدة عام ١٩٤٥ حيث نصت ديباجة ميثاق الأمم المتحدة[2] على الحقوق الأساسية للإنسان وأكدت عليها لاحقاً في مبادئها[3]، ولكن كان لابد من إيجاد نص خاص حدد هذه الحقوق والحريات، وجاء بهدف ضمان التزام الدول بحمايتها وفق معايير عالمية. فبعد الحرب العالمية الثانية ونتيجة ما تم ارتكابه خلالها من جرائم بحق الانسان، كان لا بد من إعادة وضع قواعد تحدد الحقوق والحريات العامة على المستوى الدولي، وتجرّيم أي عمل يرتكب ويترتب عليه المساس بها. ولذلك قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار الإعلان العالمي لحقوق الانسان عام ١٩٤٨، وبالرغم من عدم إلزاميته القانونية بسبب صدوره على شكل توصية تدعو فقط إلى احترام ما جاء فيه، إلا أنه لقي قبولاً دولياً ويعتبره البعض ملزماً معنوياً وأدبياً للدول التي قامت بالموافقة عليه[4]. ولاحقاً لهذا القبول كان لا بد من وضع نصوص لها صفة الإلزامية، ولذلك قامت معظم الدول، ومنها سورية، في عام ١٩٦٦ بالمصادقة على العهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمدنية والسياسية. 

هذه الإعلانات والعهود والمواثيق الدولية تهدف إلى تحديد أعلى مستوى من الحماية للحقوق والحريات، باعتبارها قيم إنسانية مشتركة. ومصادقة الدول عليها هو التزام قانوني وأخلاقي محوره الأساسي عدم السماح للتاريخ بتكرار نفسه من انتهاكات لهذه القيم. إلا أن المجتمع الدولي مازال غير قادر على ترجمة هذه الضمانات بأدوات وآليات دولية، وجلى ما يملك هو الإشارة والتنديد بهذه الانتهاكات من خلال دراسته للتقارير التي تقدمها الدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني حول الحقوق والحريات. وبالتالي تبقى الوسائل والآليات المتوافرة على المستوى الداخلي لكل دولة، والتي تنص عليها دساتيرها، السبيل الوحيد لحماية هذه الحقوق والحريات.

وإذا ما استعرضنا هذه الآليات في مختلف دول العالم سنجدها تنحصر في أمرين أساسيين. الأول: وجود آلية فعالة للرقابة على دستورية القوانين، يستطيع من خلالها القضاء الدستوري ضمان عدم قيام السلطة التشريعية بانتهاك الحقوق والحريات الأساسية المقرة دستورياً. والثاني: وجود آلية فعالة للرقابة على مشروعية تصرفات وأعمال السلطة التنفيذية/الإدارة الحكومية في تطبيقها للدستور والقوانين ذات الصلة. 

ثانياً: الرقابة الفعالة على دستورية القوانين:

إن وجود هيئة قضائية عليا تراقب عدم مخالفة السلطة التشريعية للحقوق والحريات المكرسة دستورياً يُعد أمراً أساسياً لقيام دولة القانون. بيد أنه لا يكفي وجود هذه الهيئة بحد ذاته إلا إذا تمتعت هذه الهيئة بالاستقلال من حيث آليات تكوينها وإمكانية اللجوء إليها من قبل المواطنين. هذه الاستقلالية هي التي تسمح لهذه الهيئة بإنفاذ أحكام الدستور، وضمان احترام التسلسل الهرمي للقواعد القانونية بشكل عام وتلك المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية.

هذه الهيئة تتمثل في سورية بالمحكمة الدستورية العليا وفقاً لدستور 1973 ودستور 2012[5]. وبالرغم من أن ظاهر الأحكام الدستورية المتعلقة بهذه المحكمة يوحي بأنها الضامنة لحماية الحقوق والحريات. لكن مع القراءة الدقيقة لهذه الأحكام، يتضح لنا بأن هذه المحكمة بعيدة جداً عن الحدود الدنيا للاستقلالية المطلوبة من كيفية تشكيلها ومدة ولاية أعضائها، وكذلك من خلال الآليات المتاحة للمواطنين للجوء إليها.

§فمن حيث الاستقلالية: إن من أسس ضمان الاستقلالية هو كيفية تعيين أعضاء الهيئة القضائية المكلفة بالرقابة على دستورية القوانين، ولاسيما من خلال تعدد مصادر التعيين (أي ألا تنفرد سلطة واحدة بالتعيين) وكذلك طول مدة أعضائها بحيث تكون أطول من مدة السلطات المساهمة في التعيين.

ففي ألمانيا على سبيل المثال، حرص واضعي الدستور على ضمان وضع نظام يحمي حقوق الأفراد بشكل فعال بعيداً عن تدخل السلطة التنفيذية، حيث تم النص على الحقوق والحريات الأساسية للأفراد بشكل مفصل، وحدد الهيئة المكلفة بمهمة الرقابة على دستورية القوانين، وضمن أن يتم تشكيلها بعيداً عن أي تأثير قد يمس باستقلالية ونزاهة قضاتها. لذلك نجد أن تشكيل المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية يتم بمعزل عن السلطة التنفيذية، ولا يكون متروكاً في يد جهة واحدة، فضلاً عن أن أعضاء المحكمة الدستورية الاتحادية لا يمكن أن يكونوا إلا قضاة[6]، وعددهم 16 عضواً يعينون بطريقة الانتخاب لولاية مدتها 12 سنة قابلة للتجديد، وهذا ما يضمن حدود عالية من الاستقلالية، وأصبحت نموذج على المستوى الأوربي[7].

وهذا أيضاً ما سار عليه الدستور الفرنسي، الذي على الرغم من مشاركة السلطة التنفيذية في تعيين أعضاء المجلس الدستوري إلا أننها تتشارك مع السلطة التشريعية، حيث أن عدد أعضاء المجلس الدستوري هم 9 أعضاء يعين 3 منهم رئيس الجمهورية 3 منهم رئيس مجلس الشيوخ و3 منهم رئيس الجمعية الوطنية، ويعينون أيضاً لولاية طويلة مدتها 9 سنوات[8].

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، سنجد بأن أعضاء المحكمة العليا بحكم النظام الرئاسي يعينون من قبل الرئيس شريطة موافقة مجلس الشيوخ، لكن تعيينهم يتم لمدى الحياة، أي أن هناك رؤساء ينهون ولايتهم ولا يتسنى لهم إمكانية تعيين أي من أعضاء المحكمة[9].

وإذا ما قارنا الأمر مع الوضع في سورية سنجد إن جميع أعضاء المحكمة الدستورية العليا يعينون من قبل رئيس الجمهورية[10] لا يشاركه أي سلطة أخرى، ويعينون لولاية مدتها أربع سنوات[11]، أي أقل من ولاية الرئيس المحددة بـ 7 سنوات. وهذا ما يؤدي إلى وضع أعلى جهة قضائية في الدولة تحت سلطان الرئيس، مما يفقدها الاستقلالية، ويضعف ثقة الناس في اللجوء إليها.

§أما من حيث آليات اللجوء إليها:

من المتعارف عليه وجود آليتين رئيسيتين للجوء من خلالهما إلى القضاء الدستوري تتمثلان بالرقابة السابقة على إصدار القانون (الرقابة الوقائية) والرقابة اللاحقة عن طريق الدعوى الأصلية أو عن طريق الدفع الفرعي (الرقابة العلاجية).

  • الرقابة السابقة على دستورية القوانين: عادةً ما تكون هذه الرقابة، التي تتم قبل إصدار القانون ونشره، في يدّ عدد محدد من الأشخاص يحددهم الدستور، وهم جهات سياسية تتمثل في السلطتين التنفيذية والتشريعية (رئيس الدولة، رئيس البرلمان، رئيس الحكومة، عدد من أعضاء البرلمان)، باعتبارهم مساهمون في آليات ومسار صنع القانون، وهي غير متاحة للمواطنين باعتبارهم غير مطلعين على القانون قبل نشره.

هذا النوع من الرقابة قد يسميه البعض بالرقابة السياسية على دستورية القوانين بسبب طبيعة الجهات التي تقوم بالطعن بعدم دستورية القانون[12]. وهي رقابة وقائية هامة لأنه من خلالها نتجنب صدور قوانين لا تتوافق وأحكام الدستور، وبالتالي تلافي المشاكل في المستقبل التي تظهر من جرّاء تطبيق المحاكم لنصوص تخالف الدستور وتنتهك حقوق الأفراد. ولكن مع أهمية هذه الآلية الوقائية مع ممارستها من الجهات السياسية لا يمكن حتى في الدول التي يتم اللجوء إليها من قبل أعضاء في البرلمان من المعارضة (كما هو الحال في فرنسا) أن تعتبر كافية لتجنب صدور قوانين مخالفة للدستور، فما بالنا في دولة كسورية لم يتم اللجوء إليها مطلقاً.

ففي سورية هذه الصلاحية ممنوحة وفقاً لدستور 2012 (وكذلك في دستور 1973)[13] لرئيس الجمهورية أو لخُمس أعضاء مجلس الشعب فيما يخص القوانين، وخُمس أعضاء مجلس الشعب عندما يتعلق الأمر بمرسوم تشريعي[14]، أما القوانين التي يتم المصادقة عليها من خلال الاستفتاء الشعبي فلا تكون موضع للطعن في دستوريتها[15]. وهنا من الأهمية الإشارة بأنه رغم وجود هذه الآلية فأنها لم تستخدم ولو لمرة واحدة خلال نصف قرن تقريباً، بسبب طبيعة النظام السياسي، حيث لا وجود لمعارضة حقيقية في البرلمان (مجلس الشعب).

وفي الواقع وعلى الرغم من أهمية هذه الرقابة الوقائية السابقة، فأن وجود رقابة لاحقة تعتبر الضمانة الأهم لحماية الحقوق والحريات المكرسة في الدستور.

  • الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين: هذه الآلية في الرقابة جاءت لتلافي حالات عدم الطعن من الجهات السياسية المعطاة حق الطعن في الرقابة السابقة. وعملياً تُعد هذه الآلية الأكثر فعالية بيد أي مواطن يرى أن قانون ما قد انتهك حق من حقوقه الأساسية، حيث يبقى له الحق بالدفع بعدم دستورية هذا القانون بمناسبة دعوى أمام أي محكمة من المحاكم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن بعض الدول (ألمانيا وإسبانيا) وسعت باب الطعن بعدم الدستورية وسمحت للأفراد برفع دعوى أصلية هدفها إلغاء قانون غير دستوري، حيث لم تقتصر على الدفع بعدم الدستورية الذي لا يمكن للطرف التمسك به إلا بمناسبة دعوى يتم نظرها أمام القضاء. ففي ألمانيا منح الدستور أي فرد  الحق باللجوء أمام المحكمة الدستورية العليا[16] للطعن أمامها ضد أي قانون أو إجراء اتخذته السلطات العامة يتضمن المساس بأحد حقوقه الأساسية [17]. وعلى غرار ذلك، خول الدستور الإسباني الأفراد الحق بالتظلم[18] أمام المحاكم العادية أو أمام المحكمة الدستورية، وهذا الحق ممنوح للأشخاص الطبيعية والاعتبارية كحد سواء إضافة إلى النيابة العامة دون اشتراط أن يكون الطعن بمناسبة دعوى مرفوعة أمام القضاء[19]. ولكن هذا النوع من الرقابة اللاحقة يراه البعض بأنه يؤدي إلى التساهل برفع الدعاوى من قبل المواطنين وإرهاق المحاكم بالدعاوى للنظر في دستورية القوانين وبالتالي إعاقة عمل القضاء، ولذلك تذهب معظم الدول إلى الاكتفاء بالدفع الفرعي كنوع من الرقابة اللاحقة.

وفي سورية فأن دستور 1973 لم يتضمن أي آلية من آليات الرقابة اللاحقة، فأن دستور 2012 قد أقر للأفراد مبدأ الدفع الفرعي بعدم الدستورية في معرض نزاع منظور أمام إحدى المحاكم، على أن يرفع للمحكمة الدستورية العليا[20]. ولكن بعد مضي أكثر من خمس سنوات على نفاذه، فأن هذه المحكمة لم تنظر في أي قضية بعدم دستورية القانون، حيث أن المحاكم لا ترفع هكذا دفوع تحت ذريعة سلطتها التقديرية، وهذا ما يعيدنا إلى مسألة عدم استقلال القضاء بشكل عام. 


إضافة للضمانات الدستورية للأفراد ضد أعمال السلطة التشريعية، تعطي الدساتير لأفراد إمكانية الطعن بالقرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية والتي تكون مخالفة للدستور أو القانون وذلك عن طريق دعوى الإلغاء المعروفة تحت اسم دعوى المشروعية.

ثانياً: الرقابة الفعالة على مشروعية أعمال الإدارة الحكومية:

إن أهمية إنفاذ الدستور تتمثل أيضاً من خلال وجود آلية لضمان قانونية القرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية (الإدارة العامة/أو الإدارة الحكومية)، إضافة لضمان وجود آلية للرقابة على دستورية القوانين. ويتم ضمان مهمة قانونية القرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية من خلال وجود وتوفير أمام المحكومين أو الخاضعين لسلطة الإدارة الحكومية (الأفراد والأشخاص الاعتبارية) إمكانية اللجوء إلى القضاء الإداري بدعوى الإلغاء للاحتجاج على مشروعية قرار إداري نهائي بغض النظر عن مستوى الجهة الإدارية المصدرة لهذا القرار. إن مهمة القاضي الإداري تكمن في رقابة ما يصدر عن السلطة الإدارية من أعمال وقرارات والتحقق من مدى قانونيتها، وتزداد أهمية هذه الرقابة في ظل الظروف الاستثنائية التي قد تمر بها الدولة، كحالة الطوارئ، والتي تفتح الباب أمام السلطة إن لم يكن هنالك رقيب لاستغلالها لغايات خاصة، تؤدي بالنهاية إلى انتهاك حقوق الأفراد. ولتفادي الوقوع في هذه الحالة ولمنع الإدارة من التعسف في استخدام سلطاتها، تسمح دعوى الإلغاء للمحكومين (الخاضعين لسلطة الإدارة الحكومية) صيانة حقوقهم المستمدة من القوانين والمصانة كمبدأ في الدستور.

وبذلك أصبح القضاء الإداري إلى جانب المحكمة الدستورية أداة تضمن حريات الأفراد وحقوقهم في مواجهة استبداد السلطة واستهانتها بكرامات وحقوق المحكومين وإن لم تكن هذه المهمة الأساسية التي وجد من أجلها[21]. هذه الأداة التي يعتبرها البعض من أهم الأدوات الموجودة في العالم لحماية الحقوق والحريات[22] تتمثل في سورية بمجلس الدولة الذي يفترض به –كجهة مختصة ومستقلة- الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، كما هو الحال بالنسبة للرقابة على السلطة التشريعية من قبل المحكمة الدستورية.

لقد أخذ المشرع السوري بدعوى الإلغاء[23] التي طورها مجلس الدولة الفرنسي ونص عليها في قانون مجلس الدولة[24] ولكن لا يمكننا القول بأن الحماية المتوافرة في ظل القانون الفرنسي هي نفسها في ظل القانون السوري حيث مجلس الدولة السوري يتبع مجلس الوزراء[25] ، وبالتالي يضع مسألة الاستقلالية، التي يفترض أن يتمتع بها القضاء لضمان محاكمة عادلة ونزيهة، موضع الشك. فكيف يمكن لجهة ما مساءلة القرارات الصادرة عن سلطة ترأسها دون تحيز، وهذا ما أثبته التطبيق العملي منذ نشأة مجلس الدولة في سورية، وأصبح فاضحاً خلال الأربع عقود الماضية. وهنا من الأهمية الإشارة إلى أن قانون مجلس الدولة يتناقض ومبدأ استقلالية السلطة القضائية كمبدأ دستوري أساسي في مختلف دول العالم، حيث أنه خالف ما نص عليه دستور ١٩٧٣ وكذلك الدستور الحالي الذي جاء فيه بأن مجلس الدولة عبارة عن هيئة قضائية واستشارية مستقلة[26]، ولاسيما أن دستور ٢٠١٢ أعطى (بموجب المادة ١٥٤ منه) السلطات المختصة مهلة أقصاها ثلاث سنوات لإزالة (إلغاء أو تعديل) القوانين المخالفة لأحكامه.

وفي الواقع، إذا ما قارنا الوضع السوري بالوضع الفرنسي لوجدنا أنا مجلس الدولة الفرنسي يرأسه الوزير الأول إلا أنا هذا الأمر هو مجرد شكلية فرضتها اعتبارات تاريخية متعلقة بنشأته. وعملياً، وبالرغم من هذه الشكليّة، يتمتع القضاء الإداري في فرنسا باستقلالية تامة عن السلطة التنفيذية، حيث يعتبر نائب رئيس مجلس الدولة الرئيس الفعلي للمجلس [27]، وبالتالي ما يفرضه واقع معيّن ليس له أي تأثير على عمل مجلس الدولة في الرقابة على مشروعية قرارات السلطة التنفيذية، وأثبت خلال تاريخه لأكثر من قرنين هذه الاستقلالية. 

لذلك ليس المهم إيجاد المؤسسات القضائية فقط، فالأهم من ذلك ضمان استقلاليتها، لكي تكون ضامنة لإنفاذ الدستور والقوانين، وتشكل وسيلة لحماية حقوق وحريات المحكومين.

خاتمة: 

بالرغم مما جاء به المشرع السوري من أحكام دستورية تهدف إلى تقديم ضمانات لاحترام الحقوق الأساسية للأفراد إلا أن الأمر يبقى حبر على ورق، لم يتم ترجمته إلى أمر واقع، حيث تتعرض الحقوق والحريات بشكل واضح وعلني، دون وجود أي إمكانية فعلية للمساءلة، سواء على المستوى الداخلي للدولة أو على المستوي الدولي.

لا زلنا في سورية، مع وجود مع هذا الكم من النصوص والهيئات القضائية المكلفة بضمان الحقوق والحريات المكرسة دستوريا، بعيدين عن الحدود الدنيا المتعارف عليها في المعايير الدولية. ولذلك نعتقد بأنه من الأهمية بمكان، عند أي مراجعة دستورية في معرض إيجاد تسوية للنزاع في سورية، التركيز على تقرير هذه الضمانات بأحكام تفصيلية قاطعة، وإنشاء الهيئات القضائية المستقلة التي يمكننها أن تترجم هذه الضمانات إلى أمر واقع. هذا الأمر ليس ضرورة لحماية الحقوق والحريات، بل هو ضرورة لتحقيق سلام مستدام، يقطع إمكانية العودة لمرحلة الصراع.

[1]Philippe COSSALTER: Les composantes du bloc de constitutionnalité، Mar 10, 2015, http://etudes.cjfa.eu/lessons/lecon-27-les-composantes-du-bloc-de-constitutionnalite/. 

[2] الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة، ٢٤ تشرين الأول ١٩٤٥، http://www.un.org/ar/charter-united-nations/index.html

[3] الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة، ٢٤ تشرين الأول ١٩٤٥، المادة ١/٢: "... تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء".

[4] زروقي عاسية، دور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في إقرار الحقوق والحريات الأساسية، جامعة الدكتور مولاي الطاهر سعيدة، ص٢٦١.

[5] المادة ١٤٦ من الدستور السوري: "تختص المحكمة الدستورية العليا بما يأتي:

١- الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم التشريعية واللوائح والأنظمة".

[6] المادة ٩٤ من الدستور الألماني: "تتألف المحكمة الدستورية من قضاة اتحاديين وأعضاء آخرين. يتم انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية مناصفة من قبل كل من المجلس النيابي الاتحادي والمجلس الاتحادي. ولا يجوز أن يكون هؤلاء الأعضاء منتمين إلى المجلس النيابي الاتحادي ولا المجلس الاتحادي ولا الحكومة الاتحادية، ولا ما يقابها من هيئات في الولايات".

[7] Pieroth, B. (2003). La Cour constitutionnelle fédérale allemande comme modèle pour l'Europe. Cités, 13, (1), 57-66. doi:10.3917/cite.013.0057.

[8] المادة ٥٦ من الدستور الفرنسي: "يتكون المجلس الدستوري من تسعة أعضاء تُقدر مدة ولايتهم بتسع سنوات غير قابلة للتجديد. يُجدد ثلث أعضاء المجلس الدستوري كل ثلاث سنوات. يتم تعيين ثلاثة أعضاء من قبل رئيس الجمهورية وثلاثة أعضاء من قبل رئيس الجمعية الوطنية وثلاثة أعضاء من قبل رئيس مجلس الشيوخ...

وزيادة على الأعضاء التسعة المنصوص عليهم أعلاه يتمتع رؤساء الجمهورية السابقين بالحق الكامل في العضوية الدائمة في المجلس الدستوري.

يعين رئيس الجمهورية رئيس المجلس الدستوري. ويكون صوته مرجحًا في حال تساوي الأصوات".

[9] Sunstein Cass R, « Les fondamentalistes à la Cour suprême des États-Unis », Critique internationale, 2006/1 (no 30), p. 9-24. DOI : 10.3917/crii.030.0009. URL : https://www.cairn.info/revue-critique-internationale-2006-1-page-9.htm

[10] المادة ١٤١ من الدستور السوري: "تؤلف المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء على الأقل يكون أحدهم رئيساً يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم".

[11] المادة ١٤٣ من الدستور السوري: " تكون مدة العضوية في المحكمة الدستورية العليا أربع سنوات ميلادية قابلة للتجديد".

[12] بلال عبد الله سليم العواد، الضمانات الدستورية لحقوق الانسان، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط للدراسات العليا، ص٩٩.

[13] جميلة الشربجي: دور المحكمة الدستورية العليا في الرقابة على دستورية القوانين في الجمهورية العربين السورية بين دستوري 1973 و2012، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 29، العدد الثالث، 2013، ص 105-137.

[14] المادة ١٤٧/١ من الدستور السوري: "أ- إذا اعترض رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس الشعب على دستورية قانون قبل إصداره يوقف إصداره إلى أن تبت المحكمة فيه خلال مدة خمسة عشر يوماً من تاريخ تسجيل الاعتراض لديها، وإذا كان للقانون صفة الاستعجال وجب على المحكمة أن تبت فيه خلال مدة سبعة أيام.

‌ب- إذا اعترض خُمس أعضاء مجلس الشعب على دستورية مرسوم تشريعي خلال مدة خمسة عشر يوماً تلي تاريخ عرضه على المجلس، وجب على المحكمة أن تبت فيه خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تسجيل الاعتراض لديها".

[15] المادة ١٤٨ من الدستور السوري: "لا يحق للمحكمة الدستورية العليا أن تنظر في دستورية القوانين التي يطرحها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي وتنال موافقة الشعب".

[16] Christoph SCHÖNBERGER, Le Conseil constitutionnel vu d’Allemagne : une marche difficile vers le sommet juridictionnel, Cahiers Du Conseil constitutionnel N° 25 (Dossier : 50ème anniversaire) - août 2009.

[17] المادة ٩٣ من الدستور الألماني: "(١) تصدر المحكمة الدستورية الاتحادية قراراتها: ٤أ. حول الشكاوى التي ستطيع أي شخص أن يرفعها بالادعاء بأنه جراء السلطة العامة قد لحق المساس بأحد الحقوق الأساسية أو الحقوق التي تتضمنها المادة (٢٠) الفقرة (٤)، والمواد (٣٣)، (٣٨)، (١٠١)، (١٠٣) و(١٠٤)"

[18] المادة ٥٣ من الدستور الاسباني: "٢- يحق لأي مواطن أن يطالب بضمان الحريات والحقوق المنصوص عليها في المادة 14 والقسم الأول من الفصل الثاني أمام المحاكم العادية، عن طريق إجراءات تقوم على مبادئ الأسبقية والمحاكمة السريعة، وإذا اقتضى الحال عن طريق التظلم لدى المحكمة الدستورية. ويطبق هذا التظلم على الاعتراض الوجداني المعترف به في المادة 30".

[19] المادة ١٦٢ من الدستور الاسباني: "١- التقدم بالطعن بسبب عدم دستورية القوانين: ب. التظلم بالنسبة لأي شخص طبيعي أو اعتباري يدافع عن مصلحة مشروعة وكذا بالنسبة لمحامي الشعب والنيابة العامة".

[20] المادة ١٤٧/٢ من الدستور السوري: "أ‌- إذا دفع أحد الخصوم في معرض الطعن بالأحكام بعدم دستورية نص قانوني طبقته المحكمة المطعون بقرارها، ورأت المحكمة الناظرة في الطعن أن الدفع جدي ولازم للبت في الطعن، أوقفت النظر في الدعوى وأحالت الدفع إلى المحكمة الدستورية العليا".

[21] Jacques Petit, Les armes du juge administratif dans la protection des libertés fondamentales, 2016, p. 4.

[22] Gaston Jèze, Les libertés individuelles, Annuaire de l’Institut international de droit public, 1929, p. 180.

[23] المادة ٨ من قانون مجلس الدولة، المرسوم التشريعي رقم ٥٥ لعام ١٩٥٩: " يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري دون غيره بالفصل في المسائل التالية، ويكون له فيها ولاية القضاء كاملة: سادساً- الطلبات التي يقدمها الأفراد أو الهيئات بإلغاء القرارات الإدارية النهائية"

[24] قانون مجلس الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ٥٥ لعام ١٩٥٩.

[25] قانون مجلس الدولة، المرسوم التشريعي رقم ٥٥ لعام ١٩٥٩، المادة ١.

[26] المادة ١٣٩ من الدستور السوري: " يتولى مجلس الدولة القضاء الإداري وهو هيئة قضائية واستشارية مستقلة، ويبين القانون اختصاصاته وشروط تعيين قضاته وترفيعهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم".

[27] Le Conseil d’État et la juridiction administrative, Le Vice-président du Conseil d’État, http://www.conseil-etat.fr/Conseil-d-Etat/Organisation/Le-Vice-president-du-Conseil-d-Etat


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (0)
Sort by : Date | Likes